آخر الأخبار
الرئيسية > فن وثقافة > رحيل توفيق بكار وثقافة جيل التأسيس: بقلم منصف المزغني
رحيل توفيق بكار وثقافة جيل التأسيس: بقلم منصف المزغني

رحيل توفيق بكار وثقافة جيل التأسيس: بقلم منصف المزغني

1-قد لا يكون توفيق بكار اسمًا نجمًا خارج الساحة الأدبية في تونس العربية، ولكنه معروف لدى النخبة من أساتذة كليات الآداب العربية في جامعات العرب، وأما النقاد وأهل السرد فيعرفون مقدماته للروايات العربية أمثال “موسم الهجرة الى الشمال” و “المتشائل “لأميل حبيبي وغيرهما، فضلاً عن دعوته النقاد العرب لتقديم أعمال روائية تونسية وعربية، ومن خلال مشاركاته القليلة والمحدودة في الموتمرات الأدبية

وكذلك كانت تربطه علاقات خاصة مع الشاعرين العربيين الوحيدين الذين اختار لهما منتخبات شعرية في سلسلة “عيون المعاصرة” وهما محمود درويش وأدونيس، وساهم في تأليف جسر من التواصل بين الأكاديميين العرب من خلال سلطته لدى دور النشر الكبرى وهي سلطة مستمدة من قدرته على ابتكار علاقة عشق جديدة بين طلبته والنصوص الأدبية، القديمة منها والحديثة. وله علاقة ومشاركة في مجالات أخرى مثل الفن التشكيلي والسينما.

2- يأتي رحيل توفيق ظهيرة الإثنين 24 أبريل 2017(نيسان) عن 90 عاماً متوقعاً، فقد رحل جل أصدقائه من رجالات كليات الآداب في العالم العربي، ومن نخبة أولئك الشبان العرب الذين سافروا إلى أوروبا في العقود الأولى من القرن الماضي ودرسوا في جامعاتها، وفي ظروف صعبة، ودون مساعدة من الدولة في أغلب الأحوال ونهلوا من معارف العصر الحديث، وأتقنوا لغات أوروبا الحية، ولم ينسوا لغتهم الفصحى، وتزوج بعضهم من بنات أوروبا، وعاد هؤلاء الشبان إلى بلدانهم للعمل والعناء والبناء والتأسيس ولأن القائمة الجميلة تطول، سأكتفي بالدكتور طه حسين مثالاً حسناً لجيل يمكن نعته بجيل التأسيس.

3- ولقد غادر أبناء تلك الأجيال العربية بلادهم في “موسم الهجرة إلى الشمال” وكانوا مشدودين إلى البلد المحبوب في الجنوب، ويجمعهم هاجس الحمية الوطنية. وكانوا متوزعين في مجالات التحصيل العلمي بين الأدب والعلوم والفنون، ومنتشرين في بلدان وعواصم بريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا وهولاندا وغيرها عندما كانت “حضارتنا بدوياً جميلاً يحاول أن يفهم في الكيمياء” على حد قول محمود درويش في رثاء عبد الناصر .

كان من طبع العهد الاستعماري الفرنسي خاصة أنه كان قائماً على ثنائية تقييم تمثلتْ في الإعلاء من شأن الثقافة الفرنسية الكونية الحديثة، و تبخيس الثقافة العربية ، واختصارها في الفقه والفتاوى والشعوذة والخرافة مع تثمين طفيف للشعر الجاهلي .

4- سافر ذلك الجيل إلى أوروبا، معولاً على نفسه، وكان يضطر إلى أن يشتغل مهنا أخرى قاسية من أجل توفير نفقات الإقامة والإعاشة “في بلاد تموت من البرد حيتانها”، على حد عبارة استخدمها الطيب صالح، وحين عاد أفراد ذاك الجيل الجميل الى الوطن الحبيب، راح أغلبه يكتب وينتج ويترجم ويعلم المناهج الحديثة في النظر إلى الحياة وإلى النصوص الأدبية القديمة والحديثة، وشرع يبني جامعة على أسس المتعارف عليها في بناء الجامعات الحديثة، ويروج للمعرفة الحديثة، ويحاول تنسيب المعارف الأوروبية واختبار ثمارها في أرض عربية وإسلامية.

5- عاد توفيق بكار من فرنسا إلى تونس وهو يحمل شهادة التبريز في اللغة العربية وآدابها، وكانت عودته مع كوكبة منيرة من أساتذة ونقاد ومترجمين، أمثال أحمد عبد السلام وَعَبَد القادر المهيري ومحمد السويسي، ومنجي الشملي وصالح القرمادي، وغيرهم، وعمل جميعهم على تأسيس تقاليد البحث العلمي، ولكن توفيق بكار وصالح القرمادي تميزا في هذا الجيل بميزة نادرة سمتها النضال الثقافي واعتبار الأدب جبهة ناصعة لإعلان الحياة والهوية والوطنية .

حين مات صالح القرمادي، سنة 1982، رأى توفيق بكار أن يواصل في اختياراته حتى لا يكون مجرد أستاذ جامعي في برج عاجي واقف عند حدود الدرس ومدرج الكلية، وكان اختيار الشارع الثقافي نوعاً من كسر طوق العزلة التي ترغب الجامعات في عيشها، فالجامعة محافظة بطبعها، وكان على توفيق بكار أن يحل هذه المعضلة: كيف يمكن للجامعة أن تعانق الشارع الثقافي، وتحافظ على نواميسها الأكاديمية في الوقت نفسه؟

وحتى حياة الرجل لم تكن منفصلة عن المقاهي الشعبية ودور الثقافة والملتقيات الثقافية التي كانت تدعو إليها الساحة الثقافية، وكان يشتغل عن قرب وعن بعد محركاً ومنشطاً ومحفزاً لأساتذة الجامعة الجدد خاصة على الحضور والمشاركة والانخراط ، بل والاندماج العضوي، فلا يجب أن تنفصل الجامعة في نظر بكار عن الشارع الثقافي.

ودافع عن حضور الأدب التونسي والنصوص الأدبية التونسية في كتب المناهج الدراسية، إلى جانب النصوص العربية المشرقية التي كانت هي الوحيدة المهيمنة، ولاقى صعوبات في البحث عن جواب لسؤاله الملحّ:

ألا يوجد كتاب تونسيون جديرون بالدخول الى كتب المناهج الدراسية ؟

ألم يكتب أبناء البلد نصوصاً صالحة ؟. فلنبحث إذن عن هذه النصوص. وهذا في حد ذاته أمر كبير يحسب لتوفيق بكار الذي سعى أيضاً إلى ترجمة بعض الأدب التونسي إلى الفرنسية، ونادى بقراءة جديدة في أدب محمود المسعدي والبشير خريف وناضل من أجل إبراز أديب تونسي مغمور هو علي الدعاجي، فضلاً عن رعايته وحماسته لتقديم أجيال من الكتاب. وإن كان انحيازه إلى أهل السرد أوضح من حبه لأهل الشعر !

6- لو مات توفيق بكار في سن التقاعد، قبل عشرين سنة، لما ترك من المؤلفات غير الأساتذة الرجال والنساء وكان يراهم يواصلون البناء من بعده في المعاهد الثانوية المنتشرة، ولو مات توفيق بكار في سنة 2000 مثلاً ، لما ترك كتاباً. يحمل اسمه، فقد كان ذا زهد استثنائي في جمع مقالاته ومحاضراته التي كانت تاريخية، وقد كان يلقي درسه دون أوراق، ولديه تقنيات رجل أعمى لا يرى، حيث البصيرة قبل البصر، فهو يكتب ويشطب، ويشذب، ثم يكتب، النص النهائي، وكل هذا يتم في مستوى ذاكرته، فهو يحفظ محاضرته كما يحفظ الممثل نصه المسرحي، فلا ارتجال، ولا خروج عن النص، ولا استطرادَ غير مدروس، ويظن كثير من جمهوره أن الرجل يرتجل محاضرته، والحال أنه قطرها تقطيراً، وعصرها عصراً قبل أن ينشرها نشراً في الجموع، فلا فرق بين المسموع والمطبوع .

7-عاش توفيق بكار محبوباً من الذين درسهم، وممن عاشروه، وكان مثالاً للمثقف العضوي الذي أحبّ بلاده، دون مزايدة في الوطنية وعشق ثقافته العربية الإسلامية، متصالحاً مع ذاته، ودافع عن قيم الحداثة دون أن يتبجح، وترك نصوصاً نقدية مكتوبة بمعاناة وبهجة، وهي إبداع على إبداع، وشاءت الظروف أن تنشر في كتب.

كان توفيق بكار زاهداً في المناصب والترقيات، فلم ينجز شهادة الدكتوراه، ولكنه كان يشرف على الأطروحات، ولم يرغب إلا في التدريس ومواصلة مهامه وتكوين الأساتذة، ولكن طبعه الذي يأبى عليه أن يتسول من السلطة أي شيء جعل المشرفين على الجامعة التي ساهم في تأسيسها لا يجددون له عقد التدريس بعد التقاعد، ولا يدافعون عنه، وهو النقابي القديم ، فصار كثير الترحال الى فرنسا للتدريس، بعد التقاعد وكانت هذه المحطة وصمة عار في نظام الرئيس بن علي.

وفي حالة توفيق بكار التقاعدية، كانت تونس تهدي ابنها إلى فرنسا، وكأنها تقول دون أدنى شعور بالخجل: “خذيه واستفيدي منه ليدرس في جامعاتك أليس هذا ابنك؟ “.

8 – كان لابد لتوفيق بكار أن يرحل عن عالمنا الآن، وهو يرى ما آلت إليه الجامعة التي أسسها، وصار رحيله مدعاة لسؤال ضروري: ما الجامعة، وما المعرفة وما نصيبها الان في هذا العالم العربي ؟