آخر الأخبار
الرئيسية > فن وثقافة > قراءة نقدية لرواية عندما يبكي الرجال للكاتبة وفاء مليح: بقلم الناقدة مريم الصغير-المغرب
قراءة نقدية لرواية عندما يبكي الرجال للكاتبة وفاء مليح: بقلم الناقدة مريم الصغير-المغرب

قراءة نقدية لرواية عندما يبكي الرجال للكاتبة وفاء مليح: بقلم الناقدة مريم الصغير-المغرب

شكل الانتقال الديمقراطي الذي شهده المغرب خلال منتصف تسعينات القرن الماضي نقطة تحول في مسار الكاتبات المغربيات اللائي حاولن جاهدات تجاوز تاريخ الاستلاب والقهر الذكوري الذي كرس مجموعة من الأفكار المغلوطة التي ادعت أن كتابة المرأة مجرد تكرار لكتابة الرجل وتقليدا له؛ بل هناك من ذهب أبعد من ذلك متهما إياها بكونها كتابة استغلت الجرأة في تعرية الجسد الأنثوي للفت الانتباه ونيل الشهرة، وغيرها من الاتهامات التي لم تجد حيالها المرأة الكاتبة سوى الوقوف بثباث والتأكيد من خلال منجزها الأدبي على أنها كتابة متفردة ومتميزة أضافت الشيء الكثير للمشهد الإبداعي المغربي.

لقد عبرت الكتابة المغربية عن طبيعة احتياجات جسدها ورغباته وإكراهات المجتمع وما تعرضت له من قهر عزيزي وكبت لرغبات نفسية دفينة ومصادرة لإنسانيتها.

من هنا كان لزاما على الكاتبة المغربية الخوض في تحديات فرضتها خصوصية المرحلة والتعبير عن القضايا المحرمة اجتماعيا والتي طالما اعتبرت خطوطا حمراء لم يكن مسموح تجاوزها أو مجرد الاقتراب منها.

هكذا منحت الكتابة المرأة أفقا رحبا للحديث والإفصاح عن مشاغلها وهمومها وعذاباتها النفسية ورغباتها الدفينة، فبرزت على الساحة الأدبية مجموعة من الأقلام النسائية التي عززت المشهد الإبداعي بكتابات متنوعة لكاتبات تستحق كتاباتهن أكثر من وقفة لهذا وقع الاختياري على رواية “عندما يبكي الرجال” للكاتبة وفاء مليح باعتبار كاتبتها من الأفلام الشابة الواعدة والتي استطاعت بجرأة غير معهودة التطرق لمواضيع ظلت إلى عهد قريب طابوهات لا يمكن الحديث عنها.

I ـ تقديم رواية “عندما يبكي الرجال”

بعد إطلالتها الأدبية الأولى من خلال مجموعتها القصصية (اعترافات رجل وقح) الصادرة سنة 2004، أطلت الكاتبة المغربية وفاء مليح ومن جديد برواية أخرى تحت عنوان “عندما يبكي الرجال”، لتؤكد من خلال هذه النقلة النوعية في مشروعها الإبداعي السردي أنها كاتبة جريئة قادرة على إثارة مواضيع ذات حساسية خاصة ظلت مغيبة في قاع المسكوت عنه.

تطرح رواية “عندما يبكي الرجال” الصادرة عن إفريقيا الشرق سنة 2007 في 175 صفحة من الحجم المتوسط، قضية العلاقة بين الرجل والمرأة في مجتمع متخلف وتائه، فاقد لبوصلته ولا يدري أين تسير به خطواته. تتكون الرواية من عشرة فصول معنونة ومرقمة، وعلى غلافها تتوسط صورة فوتوغرافية لقصبة الاوداية، من إنجاز الكاتبة، لكون قصبة الاوداية  أحد الأمكنة الحساسة في الرواية، لهذا اتخذتها الروائية أيقونة غلافية، ويتصدر الغلاف الأخير صورة فوتوغرافية للكاتبة وهي جالسة في وضع لا يخلو من إيروتيكية، من إنجاز المصور الفوتوغرافي مصطفى الروملي، تقابلها فقرة مقتطفة من الرواية على لسان السارد.

إن كل هذه المداخل والعتبات التناصية مؤشرات على عالم الرواية وفحواها، وعبر الصوتين السرديين المتناوبين على السرد في هذه الرواية، صوت الساردة “فاتن الإدريسي”، وصوت السارد “أحمد الوكيلي” من خلال مذكراته نطل على عالم الرواية، فنجد “فاتن الإدريسي” الطالبة الجامعية الحاصلة على الإجازة في  الحقوق، تجمعها علاقة غامضة بأستاذ جامعي في الخمسينات من عمره يدعى “أحمد الوكيلي”، الرجل الأعزب والمناضل السياسي الذي يسعى بنوع من الإصرار إلى المساهمة في إصلاح بلاده، من خلال النضال السياسي والإصلاح الإجتماعي والثقافي، لكن المفارقة التي تهيمن على الرواية وتمنحها بعدا عميقا، تتجلى في أن هذه الشخصية التي تسعى إلى إعادة بناء الحزب الذي  تنتمي إليه من أجل أن يقود قاطرة الإصلاح الثوري في البلاد، والنضال على مجموعة من الواجهات، هي نفسها تعاني من عطب في كينونتها ونفسيتها… هذا الرجل المثقف يعاني من ضعف جنسي، يجعله عاجزا عن تلبية رغبة امرأة، مما يجعله  دائم الهروب منها، وهو ما يحدث للطالبة “فاتن الإدريسي” المعجبة به والتي تقف مستغربة من هروبه الملتبس وغير المبرر منها، تقول: «أحاول أن أكسر صمتك. أتمدد على شواطئ أسرارك. لكنك تصر على التدثر بعباءة الصمت… لماذا هذا الشجن الذي يلون تقاسيم وجهك رغم حالات الفرح التي تهزك بين فينة وأخرى؟؟. أنظر إليك لأقاسمك الشجن ظنا مني أنني أنتزع منك مؤامرة الأشياء التي تحوكها ضدي لتمارس غوايتك على أنوثتي التي تتعرى أمامك. وأنت تلعب لعبتك في الخفاء»[1].

وأمام تخبط أحمد الوكيلي في عجزه الجنسي والنفسي راح يبحث عن علاج مناسب لحالته المستعصية، فيسعى نحو العلاج الشعبي تحت تأثير والدته وصديقه إبراهيم حارس العمارة التي يقطن فيها ، ليتوجه بعد ذلك نحو العلاج النفسي، لكنه يفشل في كل محاولاته، ليبقى فريسة عجزه النفسي، لهذا تلعلع الشكوى على لسانه فنجدها تتخلل صفحات الرواية، مصرا في الوقت  ذاته على مماهاة مأساته مع مأساة  الوطن، يقول معبرا عن ذلك: « بين جسدي والوطن ميثاق كتب  من حبر نفس واحدة. ليس جسدي إلا وطنا شكلت خريطته من نضال فتحت بابه على مصراعيه لأطارد الريح.  كيف أرتاح  وأنا أطارد ريحا هوجاء عاصفة. ريحا صيرتني خصيا. انتزعت مني خصيتي وتركتني أرضا جرداء لا تطرح نباتا. نفسا مستكينة في المضاجع. ثائرة في الأنين والوجع؟؟…»[2].

وينتهي الامرباختيار “أحمد الوكيلي” قرار الانتحار، بعد أن أوصى بأن تسلم مذكراته “لفاتن الإدريسي” بعد أن نال منه العجز وأصاب رجولته في مقتل مما دفعه إلى البكاء صنيع الأطفال الصغار والنساء، وهذا ما يعبر عنه عنوان الرواية “عندما يبكي الرجال” وتلخصه الفقرة الحساسة: «ليست  المرأة وحدها تبكي، البكاء يعني الرجل أيضا. كنت فيما مضى أنزع إلى السخرية والتهكم في مواقف تدعو إلى البكاء وأقول في نفسي كما علمتني أمي. الرجال لا يبكون. لكني في حالتي هاته أبكي بحرقة الرجولة الضائعة. لو يعلم النساء أن بكاء الرجال أشد ألما لتوقفن عن بكائهن…»[3].

هكذا تحتفي رواية “عندما يبكي الرجال” بالبوح والشكوى وترسم للوطن وجها حزينا، يشبه وجه البطل “أحمد الوكيلي” الذي صرفت الروائية عبر شخصيته مجموعة من القضايا التي تؤرق المجتمع برمته، على رأسها مشكل البطالة والذي  تمثله شخصية “فاطمة”، زوجة سالم صديق البطل، الحاصلة على الدكتوراه في الأدب الفرنسي، والتي تناضل إلى جانب مجموعة من المعطلين من أجل الحصول على عمل قار؛ تظهر في الرواية شخصية عنيدة صامدة «لكنها لم تفلح في أن يكون لها منصب قار. تنقلت بين عدة مهن صغيرة ليست لها علاقة بتكوينها الجامعي. أحيانا نجدها سكرتيرة لشركة سرعان ما تغلق أبوابها، أحيانا عاملة تطبع بحوث نهاية السنة الدراسية الجامعية للطلبة،وأحيانا أخرى أجدها تعمل في مخدع هاتفي، وأحيانا أخرى  بدون عمل»[4].

ولم تغفل الروائية مشاهد الاحتجاج والنضال ،أمام قبة البرلمان التي باتت مألوفة كمشهد عادي يؤثث فضاء شارع محمد الخامس.

لقد حاولت الكاتبة من خلال روايتها “عندما يبكي الرجال” تعرية الواقع الهش الذي تعيشه النخبة المغربية، وتصريف مواقفها عبر شخصيات مثقفة: فاتن، أحمد، سالم، فاطمة ، إدريس، عبد الله، عبر تصوير محيطها وواقعها اليومي العائم في التناقضات…

وقد تطرقت الرواية للمواضيع الحساسة والطابوهات، هاتكة الستار في جرأة أدبية عن موضوعات سرية جديدة كالعجز الجنسي، والدعارة، وغيرها؛ هذا فضلا عن حضور الجسد والرغبة واللذة، باعتبارها من المكونات الجوهرية الطبيعية لهوية الإنسان ذكرا كان أو أنثى، لتكشف أن للجسد دواخل وبواطن يجب أخذها بعين الإعتبار.

لقد كانت مدينة الرباط ومآثرها العمرانية، مسرحا لأحداث رواية “عندما يبكي الرجال” شاهدة على قصة “فاتن الإدريسي” التي ضمخت لغة الرواية بأنفاسها الحارة وأججها “أحمد الوكيلي” بلواعجه  التي لا علاج لها.

II ـ قراءة في عنوان : “عندما يبكي الرجال”.

إذا كان العنوان يعني مجموع النص، يظهر معناه باعتباره مرآة النسيج النصي، والدافع للقراءة، بل هناك من يعتبره الشرك الذي  ينصب لاقتناص المتلقي، فإن الأهمية التي يحظى بها نابعة من اعتباره مفتاحا للتعامل مع النص في بعده الدلالي والرمزي.

وقد عملت الروائية ” وفاء مليح” على منح عملها الروائي هذا العنوان “عندما يبكي الرجال” للتعبير عن الإحباط السياسي والجنسي والنفسي والفكري الذي يعيشه بطل الرواية.

ويثير عنوان الرواية مجموعة من التساؤلات عند مشاهدته للوهلة الأولى من قبيل ما هي الأسباب التي  تدفع الرجال إلى البكاء؟

يحيلنا فعل البكاء الذي  يتوسط عنوان الرواية على أن هذا الفعل الفطري  يحدث نتيجة ضعف نفسي يمر به المرء ولا يستطيع تحمله، فالرجل يبكي عندما يواجه أزمة كبيرة تزلزل وجوده، وتغير مسار حياته إلى حد كبير، فتنقلب عنده معاني الأشياء، وتكسب حياته معاني جديدة.

من هنا نفهم أن الرواية تتناول موضوعا شائكا يتمثل في العجز الجنسي باعتباره تيمة محظورة وحساسة تدخل في باب الطابو أو اللامفكر فيه  لكونها تسبب « جرحا نرجسيا »  لرجولة وفحولة الرجل،  في مجتمع أبيسي زاهي بقيم الرجولة والفحولة.

هذا ما يمكن أن يوحي به ظاهر عنوان “عندما يبكي الرجال” الذي يضمر تيمة أخرى محايثة وهي تيمة العجز السياسي أو الخصاء السياسي النضالي، الذي اعترى اليسار المغربي في الآونة الأخيرة وزج به في أنفاق وكواليس المهادنات والمصالحات.

فالخصاء الجنسي/ الفحولي الذي يعاني منه البطل في رواية وفاء مليح، هو في ذات الوقت خصاء سياسي في الأساس، أملته تحولات  هذه المرحلة وإكراهاتها وتحدياتها التي سببت انكسارات وإحباطات مست الفرد والمجتمع والدولة أيضا.

من هنا نستطيع القول إن رواية وفاء مليح “عندما يبكي الرجال” هي  رواية الإحباط المركب بامتياز: إحباط البطل السياسي والجنسي والنفسي، وإحباط الأحزاب السياسية وفي مقدمتها اليسار، وإحباط جيل بكامله من العاطلين والمعطلين وأبناء هذا الوطن؛ تقول الساردة معبرة عن هذا الوضع المأساوي: « لم أفكر ولو مرة واحدة في أن أغادر الوطن رغم أن جيلنا منذور أن يعيش بلا أفق، بلا أمل، بلا عمل، وضع نعيشه يشل الحركة والهزيمة»[5].

فكانت إرادة الصمود التي تعيشها بعض الشخصيات، إحدى نقاط الضوء والقوة في هذه الرواية.

وبذلك يكون العنوان”عندما يبكي الرجال”  قد لخص مضمون رواية بهمومها وأسئلتها وأشجانها،التي أمست سياطا قاسية تجلد شخصيات الرواية.

III ـ  التعدد اللغوي في رواية ” عندما يبكي الرجال”.

إلى جانب  الرؤية السردية، والبنية الزمانية والمكانية، والفضاء والشخصيات والوصف والأحداث، تبقى اللغة من أهم مكونات الخطاب الروائي، إذ هي المميز الحقيقي  للرواية عن باقي  الأجناس الأدبية الأخرى، كما أنها المادة التعبيرية التي ترتكز عليها الرسالة الإبداعية التي يرسلها  الكاتب إلى القارئ عبر جمل سردية ووصفية وبلاغية. فاللغة تحمل نوايا  المؤلف وأطروحاته المباشرة وغير المباشرة، فلا يمكن لأي كاتب أو كاتبة روائية أن يكون كذلك إلا إذا امتلك ناصية اللغة وقواميسها الحرفية والمجازية، وأحسن توظيفها توظيفا أدبيا واستثمرها في سياقات تواصلية وتداولية ذات مقاصد فنية وتعبيرية حاملة للفكر ومضامين النص وأبعاده المرجعية.

1 ـ التناص في رواية ( عندما يبكي الرجال).

إذا انطلقنا من مقولة باختين التي يؤكد فيها على أن « الخطاب  الروائي خطاب خليط متصل  بتعدد اللغات والأصوات، ولا تستحق الرواية اسمها إذا لم تكن خليطا»[6].سنجد أن الرواية موضوع دراستنا، قد توسلت بتعدد لغوي متنوع وغني، مما جعلها  مدونة خصبة، إذ حاولت الكاتبة بناء الشكل الفني لروايتها على التناص وتداخل الأجناس، لترتقي بلغة الكتابة الروائية إلى مستوى جمالي تبرهن فيها على إذابة الحدود الوهمية في صناعة الكلمة الأدبية، وأنه لا حدود بين الأجناس والفنون، وحدها الرواية بمرونتها قادرة على أن تستوعب الكل.

أ ـ النصوص المقتبسة والإشارات الثقافية.

يتضمن الخطاب السردي في رواية “وفاء مليح” مجموعة من النصوص الأدبية، تتصدرها أبيات من قصيدة الشاعر السوري نزار قباني التي افتتحت بها الرواية:

« أكبري عشرين عاما … ثم عودي

إن هذا الحب لا يرضي ضميري

حاجز العمر خطير……. وأنـــا

أتحاشى حاجز العمر الخطير…..

نحن عصران فلا تستعجلي

القفز، يا زنبقتي، فوق العصور،

أنت في أول سطر في  الهوى

وأنا أصبحت في السطر الأخير……» [7].

هذا المقطع الشعري الذي أوردته الساردة لتخبرنا أن “أحمد الوكيلي” كان يردد هذه القصيدة في لقاءاته بها، وقد تعمدت الروائية إدراجها في الصدارة بهدف وضعها كآلية للتشويق واستفزاز القارئ باقتحام وخرق أفق  التلقي والكشف عن مواطن جمالية اللغة النسائية، وانفتاحها على مختلف الفنون بما فيها الشعر وجعلها تتسرب بعمق إلى أعماق القارئ.

هكذا تتداخل أجناس الأدب  في مناخ الرواية الخصب، لتخلق مساحة لحرية الكلمة. وهذا ما  يبرر حضور الأغنية الشعبية كذلك التي وظفت في سياقات مختلفة من الرواية، فنجد الروائية تستحضر رموز الأغنية المغربية ممثلة  في الراحل “محمد الحياني” بأغنيته المعروفة «بارد وسخون، ياهوى، تحاميتو في بزوج أنت وأسمر اللون…” » [8].

إلى جانب أغنية الحياني تحضر أغنية الراحل إسماعيل أحمد المشهورة “خفة الرجل” «آشداني، لاش مشيت ، غير نظرة من عيونو راه كواني ….» [9].

ثم أغنية ” الصينية” لمجموعة ناس الغيوان:

« فين اللي يجمعوا عليك أهل النية

وووواهيا الصنية

دوك اللي ونسوك

فين أهل الجود والرضى

فين حياتي، فين حومتي واللي لي… »[10].

هذه الأغنية المشهورة وردت على لسان البطلة، التي أحست أنها تعبر العالم مع دندنة هذه الأغنية التي ألهبت جيلا بكامله، وتمضي الكاتبة إلى التعريف بهذه المجموعة الشعبية  والتي سمتها بالظاهرة الغيوانية، داعية  من خلال روايتها إلى البحث في أصلها وأسبابها تقول: « الألم. الحرمان. التهميش. الفقر. أصل الولادة. شرذمة من أبناء الحي  المحمدي. الحي الشعبي بمدينة الدار البيضاء. تقلب تاريخ جيل في بداية السبعينات. جاءت من مسرح الحي. عاش أفراده فقرا دقيعا. متشبثين بشرفهم وكرامتهم. لا يتركونها حتى وإن كانت ثمنا للمجد والشهرة. يثورون إذا خدشت كرامتهم. من جحيم القهر جاءت حناجر تغني للثورة والتغيير. كلمات عروقها متواصلة مع مغرب الهامش. تلك هي أغنية الشعب. عربدة. مجون. فقر كبرياء. موت من أجل الكرامة… تلك هي  دروب أبناء الحي المحمدي. ناس الغيوان. غفالة على الرؤوس. شعر غزير… يعلن ثورة النفوس. مجموعة شباب بآلات مغربية مغمورة وحقيرة أحيانا ألهبت الشعب… غنت عذاباته. وأوجاعه نبتت بين طيات ضلوعه في فترة كان يعيش فيها تحت عناء سياسة تحاسبه على تنفسه الفكري والفني…» [11].

وقد صممت وفاء مليح على إغناء روايتها وتضمينها عناصر ومكونات هي من صميم الثقافة المغربية معبرة عن انشدادها القوي إلى الذاكرة المتوارثة، المعروفة بخصوصيتها وغناها وتنوعها، وكذا إثارة الإنتباه إلى  ظواهر فنية قد يطالها النسيان مع مرور الزمن، لذلك تعمد الروائية إلى التأريخ لهذا النوع من الأغاني.

ولتحقيق نوع من التميز في الكتابة، وظفت وفاء مليح الموروث الشعبي المتمثل في زيارة الأولياء والصالحين والتبرك بهم والإعتقاد الأعمى  بالشعوذة وغيرها من الأمور المترسخة في المجتمع المغربي، نتيجة الجهل وضيق الأفق المعرفي والفكري الذي يسم المجتمعات المغاربية؛ تقول الساردة على لسان أمها: « هذ العشوب أولدي مزيانين ليك. باش حيدو عليك الضيم اللي نت فيه.

ـ كيفاش غنخذها ؟

ـ هاهي طحنتها ليك وطبختها غدي تبقى تأخذ الماء ديالها ملعقة كل صباح…» [12].

هذا المقطع يظهر بجلاء الاعتقاد في جدوى الأعشاب  في شفاء العجز الجنسي الذي يعاني منه بطل الرواية.

ونجد المشهد نفسه يتكرر مرة أخرى مع السيدة التي أحضرتها الأم إلى البيت لتعالج ابنها العاجز يقول: «دخان كثيف ينتشر في كل غرف البيت. السيدة تدخل غرفة. غرفة بالمسخنة وهي تحرك شفتيها وتنطق بصوت خافت كلاما مبهما. ما إن رأتني حتى قالت لوالدتي:

ـ هذ الولد عندك خاصو يزور؟؟

ـ شنو غنزور القبر؟؟»[13].

والملاحظ أن هذه المقاطع الدالة على تدني درجة الوعي والسذاجة لم ترد على لسان المرأة فقط، بل ورد ت على لسان الرجل من خلال شخصية (إبراهيم) حارس العمارة، الذي كان الشخص الوحيد الذي استطاع البطل أن يعترف له بعجزه بشكل غير مباشر، مدعيا أن أحد أصدقائه هو من يعاني هذا العجز يقول البطل: «استجمعت قواي وسألته بصوت خافت.

ـ إبراهيم. واحد صاحبي ما قادش يدخل بمراتو. واش كتعرف شي دوا لهذ المرض؟؟

ـ واش بغيتي تقول ماشي راجل؟؟

ـ إيه شنو خاصو يدير؟؟

ـ كنعرف واحد العشاب كيبيع الدوا ديال هدتشي؟؟ إلا بغيتي نشوفلك ونسول؟؟

ـ ما فيها باس إلى سولتي؟؟ »[14].

إلى جانب حضور هذه المقاطع التي تعكس بساطة  العقلية وتأثرها بالترهات والأكاذيب، يحضر كذلك  المثل الشعبي، ليضفي خصائصه الكلامية والحكمية على الرواية، أهمها المثل الوارد على لسان البطل وهو يغازل والدته يقول : « إلى مشى الزين كيبقاو حروفو، أقول لها حين أرغب في مداعبتها وأذكرها بالزمن الجميل الذي كانت تنعم فيه بجمالها…» [15].

مما يعكس رغبة  الكاتبة  في ترصيع روايتها وإثرائها بمكونات الثقافة  المغربية المتنوعة، فإلى جانب  المثل العامي يحضر المثل العربي الفصيح، هذه المرة على لسان “فاتن الإدريسي”: «تموت الحرة ولا تأكل من ثدييها»[16]. لتعبر من خلاله عن عدم استسلامها للإغراءات رغم ما تعيشه من أزمات مادية صعبة بسبب العطالة وضيق ذات اليد.

وفي علاقة بالواقع دائما والإحالة عليه، ورغبة من الكاتبة في إقحام مجموعة من المكونات التي تطبع المجتمع المغربي وواقعه  اليومي، تحضر إلى جانب المثل العامي والفصيح، النكتة بوصفها شكلا من الأشكال التعبيرية الحاضرة بقوة في أوساط المجتمعات المغاربية،تقول النكتة: « جاء تاجر يريد اقتناء دماغ إنسائي من محل تباع فيها الأدمغة.سأل عن الأثمنة، فوجد أن أغلى دماغ هو الدماغ المغربي.تساءل باستغراب عن السر،جاءه الجواب أن الدماغ المغربي ما زال يحتفظ بطاقته لأنه لم يشغلها بعد. » ( ص 84 )، فالنكتة متنفس مهم لأبناء هذه الشعوب التي تعيش الضغط والقمع والإضطهاد، ذلك ما حاولت الكاتبة إبرازه من خلال إدراجها لهذه النكتة، ثم تلتها بتعليق البطل عن التمزق الذي يعيشه هو وزملاؤه، « في واقع ينخره العفن وأمراض أخرى مزمنة نغسل أنفسنا من أدران العجز والمرارة. نخرجها من متاهة ضعفها…»2.

كما نسجل حضورا مكثفا للغة الخطاب السياسي بين صفحات الرواية، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على اهتمام وفاء مليح بقضايا وطنها، تقول: « أبتدأ يومي بنزيف داخلي. احترقت فيه أعصابي. كل ما أرى وأسمع وأقرأ يلسع جسدي بسياط الألم والوجع. نمتح من هموم البؤس في العلاقات الإنسانية. علاقات الحزب يشوبها الخراب. خراب في الفكر والسلوك سنوات النضال داخل الحزب التي أخذت من حياتي الكثير… » (ص 23). وتقول في موضع آخر « كنا على موعد للمشاركة في الوقفة الإحتجاجية التي تنظمها جمعيات المجتمع المدني ضد الرشوة التي تنخر جسد الأمة وتمتص دم شعب يدفع ثمن أخطاء غير مسؤول عنها… » (ص 38).

إن المتصفح لرواية ” عندما يبكي الرجال”، يثيره الحضور المكثف للخطاب السياسي، وهو تأكيد على أن الروائية مسكونة بقضايا وطنها ومؤمنة بأن النضال هو السبيل الوحيد نحو التغيير.

لقد جاءت رواية “عندما يبكي الرجال” لوحة تتمازج فيها مجموعة من الخطابات والإشارات الدينية، كإدراج الساردة موقفها من الحجاب كما تراه وتفهمه تقول: «هو أن ألتزم التزاما صارما بمبادئي وأخلاقي وصدقي مع نفسي ومع الآخرين…» [17]. وبذلك  نستطيع القول أن هذه الرواية رواية مغربية بامتياز بما  تحوزه من استحضارات وحوارات عامية مغربية وغيرها من الإشارات.

ب ـ اللغة التاريخية:

عملت وفاء مليح في روايتها “عندما يبكي الرجال” على توظيف وقائع تاريخية هدفت من ورائها إلى إضفاء نوع من الواقعية على أحداث الرواية، إذ « يسعى الحدث التاريخي إلى تحديد الإطار العام الزماني والمكاني الذي  ستتحرك فيه وعبره الشخصيات، ويربط الحدث التاريخي الحدث الأدبي بواقعه من خلال تلك الوقائع الأكثر شيوعا بين الناس»[18].

كما أن توظيف التراث التاريخي في الرواية يعد  من التطورات التي عرفتها الأعمال السردية منذ الثمانينيات، لتتخلص نسبيا من الأشكال السردية الغربية، وإتاحة فرصة للبحث عن أصالة لمجال الإبداع العربي وتأصيل الكتابة الروائية، لخلق حداثة تتواصل مع السرد العربي القديم وتتجاوب مع  خصوصيات  القارئ.

وقد عملت الروائيات المغاربيات على توظيف المحكي التاريخي ضمن كتاباتهن الروائية بهدف التوثيق لمراحل تاريخية معينة، ففي رواية “عندما يبكي الرجال” تسربل التاريخي والواقعي بالسرد الروائي فتساكنا معا في صيغة فنية مميزة، حاولت من خلالها الكاتبة شد القارئ وإثارة انتباهه إلى قيمة المآثر التاريخية التي تؤرخ لحقب بعيدة من تاريخ المغرب، في محاولة منها إضفاء نفحة واقعية على روايتها، تقول على لسان الساردة: « أريج عبق التاريخ  يند إلى أنفي وذاكرتي. يضمخ الجو. أتجول بين فضاءات ذاكرتي. فضاء. فضاء. ترافقني ذكراه. أحسه بجانبي يمسك بيدي وكل ركن نزوره يسرد تاريخه. بت أعرف تاريخ تأسيسها حجرة. حجرة. وتاريخ ساكنيه. يحكي الحكاية…» [19].

إضافة إلى الرغبة الواضحة للكاتبة في سرد وقائع تاريخية حقيقية بين صفحات روايتها بهدف توثيقها وإفادة القارئ وتعريفه بحقب معينة من تاريخ المغرب، هذه الحقب التي عرفت تشييد  مجموعة من المآثر العمرانية والتي بقيت خالدة حتى يومنا هذا، فعملت على التعريف بها وذكر معلومات تخصها، تتحدث الساردة معرفة بقصبة الوداية: « – القصبة. النواة الأولى لمدينة الرباط. اقترن اسمها باسم قبيلة الأوداية العربية التي سكن عدد من أفرادها القصبة بعد أن جاء بالقبيلة الملوك العلويون لتقوم بحراسة منطقة الرباط في وقت كثرت فيه هجومات القبائل المعارضة. ارتبط تاريخ القصبة بالموحدين الذين اختاروا موقعها لتكون إحدى قواعد عبورهم إلى الأندلس. تعلق  أول الخلفاء الموحدين بموقع الأوداية الحالي. فأمر ببناء قصبة جديدة بها أطلق عليها اسم المهدية تبركا بإمامه المهدي بن تومرت واسما دالا على العقيدة الموحدية»[20].

لقد حاولت الكاتبة استيحاء حوادث من تاريخ المغرب، بهدف لفت الإنتباه إلى فترات متميزة من هذا التاريخ الذي  نقلته إلى عوالمها التخييلية، بواسطة تقنيات سردية، كالإشتغال على الذاكرة والإسترجاع؛ تقول على لسان الساردة واصفة صمود أسوار القصبة: « زخرفة أحجار أسوارها تطل علينا لتحكي حكايات  تاريخ الزمن الغابر. تحكي صمودها أمام أهوال المعارك والنزاعات التي دارت بين أهل القصبة وأهل المدينة أو الغزاة الأجانب.»[21].

والملاحظ أن هذه اللغة التاريخية حضرت متواشجة وملتحمة مع اللغة السردية، حيث يتداخل عبر هذا التواشج اللغوي الماضي في الحاضر، فيصبح كل منهما صورة للآخر؛ تقول الساردة: « أتلصص فأجد فناء عاري السقف، تتوسطه نباتات خضراء أو نافورة ماء فأتذكر  بيوت مدينة فاس القديمة. تند إلى أنفي رائحة الزمن الذي ولى واقترب أكثر من المورسكيين الذين سكنوا القصبة وشيدوا فيها بيوتهم على الطريقة الأندلسية…. بناية شيدها السلطان العلوي المولى إسماعيل.  نمر على الإسقالة التي تعود إلى عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله»[22].

وعبر هذا المقطع السردي الممزوج بالحقائق التاريخية وغيره من المقاطع السابقة، تتخلل اللغة التاريخية لغة الرواية على شكل أخبار ومعلومات، تصور المجد الذي عرفه المغرب في عهد الموحدين والسعديين والعلويين، والرواية حين تعود لهذه الأحداث التاريخية، فإنها تحاول أن تحلل  التاريخ وتعيد قراءته بأساليب جديدة، وسبر أغواره والتأسيس لعلاقات جديدة معه.

وتقف الروائية بشخصياتها ممثلة في بطلي روايتها في أتون أحداث تاريخية، فتضعهما وجها لوجه أمام وقائع من التاريخ  تستحضر أخبارا ومعلومات تخص فترة بعينها، ”  تنغرس الأقدام أمام  الباب الضخم لقاعة اعتبرت دار للحكم في زمانها. حيث كان الخلفاء يستقبلون مواطنيهم ويحكمون فيما بينهم.”[23]

هكذا نلاحظ أن اللغة التاريخية في رواية وفاء مليح “عندما يبكي الرجال” جاءت لتمجيد الماضي والتغني بانتصاراته لتقدم لنا وقائع تاريخية ميزت فترة معينة من تاريخنا العريق.

2 ـ  العامية في  رواية ” عندما يبكي الرجال”

يتمظهر التهجين في رواية  وفاء مليح ” عندما يبكي الرجال” في المزج بين اللغة العربية واللهجة العامية، وذلك بهدف التعبير عن الإنتماء للفئة البسيطة من المجتمع، والتقاط اللغات واللهجات المتفاعلة في رحم المجتمع المغربي، وذلك ما يحقق تنوعا أسلوبيا يمتح من بلاغة العامي والمأثور واليومي، وهذا ما يظهر من خلال المقطع الذي يجمع بين البطلة “فاتن الإدريسي” وأمها حول أوضاعها التي باتت لا تعجب هذه الأخيرة.

” … جيت نكوليك واش عجباك حياتك هكذا؟؟

لا خدمة لا زواج. عمتك صفطاتلك الأوراق من فرنسا باش تمشي عندها أمبغيتيش. الراجل للي كيجي يخطبك مكتقبليش. راه قلبي كيتقطع عليك.

ـ أولا فرنسا شكون كاليك بأنني غنلق شي حاجة مزيانة حسن منهنا. ثانيا الرجال اللي كتكلمي عليهم زوج رجال ما عندهم حتى الباك وما يوكلو حتى راسهم.

ماما اللا يخليك ما بقيتش كنتحمل نتكلم في هذا الموضوع.

ـ واخ أللا على خاطرك حتى نشوف شغديري.”[24].

وقد تكررت المقاطع المعبرة عن غضب الأم وتمرد الفتاة عبر صفحات الرواية، حيث  غطت مساحة لا بأس بها من فضاء هذا المتن الروائي، إذ تخلق الدارجة نموذجا في التشخيص اللغوي، فنجدها تعبر عن مواقف البطل ونزوعه التشاؤمي، ونظرته السوداوية للعالم وللأوضاع المحيطة به، ويظهر المقطع التالي الذي يعبر عن فلسفته في الحياة:

-” عمي واش انت حمار؟؟؟

-أحيانا أحتاج إلى أن أكون حمارا لأهادن الريح…….

– شنو كتكل أعمي إلى كنت  حمار؟؟ سألني بمرح طفولي.

ـ أتعرف. غذائي قليل من الشعير وكثير من المرارة.

لم يفهم جوابي. نهرني ضحكا:

ـ جري. جري بي أعمي …….” [25].

كما يظهر نغمة اليأس التي  يعيشها البطل، وحالة التشظي والتمزق اللذين جعلاه دائم التشاؤم.

وتحضر  اللهجة الدارجة داخل الرواية من خلال توظيف المثل الدارج « إلى مشى الزين كيبقاو حروفو»[26]، وذلك بهدف تحقيق تنوع  في لغة الرواية وجعلها نصا شديد الإرتباط بالواقع الإجتماعي؛ لذلك لونت الكاتبة روايتها بمقاطع من الدارجة في الصفحات 122-125-127…

ولإغناء هذا التنوع وظفت الروائية كذلك اللهجة السوقية المبتذلة بما تقوم عليه من سباب وشتم عاريين من الحشمة، تعبيرا عن واقع عنيف أصبح يؤثث المشهد اليومي لحياتنا: « واخ عليك… دابا نوريك  الرجال بحالي علاش قادين…

– إلا كنت راجل ديرها ولا تقد غير على العيالات. أشداك لختي تهضر معها خليك غير فالحشيش ديالك.» [27].

وقد عملت الكاتبة على دمج هذه المقاطع الحوارية، هادفة من وراء ذلك تصوير مشاهد  من حياة الأحياء الشعبية بكل تلقائيتها وعفويتها، ناقلة ذلك إلى عوالمها السردية بتقنياتها الخاصة، وعبر الدارجة دائما نقلت الكاتبة مواقف سياسية ظهرت في خضم  حديث السارد عن النائب البرلماني وأصدقائه في مقهى (باليما) الواقعة قبالة مبنى البرلمان:

« جيب لي براد أتاي كبير ويكون بالنعناع وما تعطلش راه تابعني الشغال.

ـ أقول في نفسي :

– ما هلك البلاد غير الشغال ديال اللي بحالك…….»[28].

هذا الزخم الهائل من المقاطع يعكس رغبة الكاتبة في مقاربة الواقع المغربي باعتبار العامية أقدر اللهجات على التعبير عن الهموم اليومية التي  يعيشها الفرد، لذلك تحاول الروائية خلق منحى جديد من خلال إقامة علاقة بين الرواية كجنس أدبي وبين لغات التداول الشعبي واليومي، لتظهر إمكانية خلق كتابة جديدة تمتح مادتها من الواقع اليومي المعيش، وتنقله إلى عوالم سردية، وتكسير أحادية الملفوظ وخلق حوار جديد، ومساحة واسعة للغة داخل النص الروائي النسائي المغاربي.

VI ـ بناء الحكاية في رواية “عندما يبكي الرجال”.

على غرار باقي الروائيات المغاربيات، تنطلق الكاتبة وفاء مليح في مسعى تجاوزها لسلطة المجتمع، من مبدإ إيمانها بالحرية باعتبارها السبيل الوحيد لإثبات الكيان وتحقيق وجود أكثر تكاملا. فبعد أن مارست المرأة فعل الكتابة عبر منظار ذكوري، استطاعت أن تخرج من عباءة الرجل لتبحث عن “الأنا” وهويتها، كما تحاول في روايتها “عندما يبكي الرجال”، من خلال صفحاتها الأولى، النبش في الذات أولا وفي الآخر ثانيا في ارتباط بسؤال الهوية، وإعلان الثورة على كل أنواع الرقابة التي تمارس عليها، وتحول دون ممارستها لحياتها بحرية؛ هذه الحرية التي منحت المرأة القدرة على التعبير عن هواجسها وأحاسيسها التي كانت بالأمس ممنوعة عن الإفصاح عنها وترجمتها كتابة.

وبكل جرأة ناقشت وفاء مليح مواضيع منها ما غاب أو ظهر بشكل خجول في الإبداع الرجولي المغاربي مثل موضوع (العجز الجنسي)، الذي ظل موضوعا محضورا يصعب اختراقه ،كما وفقت الكاتبة في هتك الستار عن مواضيع جريئة ،غابت أحيانا،أو حضرت بشكل محتشم في العديد من الإبداعات، من قبيل موضوع العادة السرية ،الدعارة،التحرش الجنسي،وغيرها لتصل إلى بناء عالم روائي ملغوم بالقضايا السياسية و الإجتماعية والثقافية،من خلال تقمص شخصية الرجل المحبط سياسيا،وجنسيا، ونفسيا،وفكريا.

إلى جانب هذه المواضيع تحضر موضوعة”الحب”،التي عبرت عنها الروائية بكل جرأة،مقتحمة باب المواضيع الساخنة ،التي ظل حضورها في إبداع النساء حضورا خافتا، ليصبح الحديث عن هذه العاطفة علامة تحول في كتابتهن: « لماذا هذا الوقار في حضرة الحب؟؟ ألا تعرف أن الحب ليس له عمر وليس له وطن؟؟… دع روحك تتعرى أمامي. تقتل مسافة العمر التي بيننا. دعني أتصالح مع لغتي. مع جسدي في حضرتك. دعني أصلي صلوات حبي في معبد صمتك»[29].

هذا المقطع يوضح بشكل جلي التقابل العميق بين الصورة التي رسمتها الروائية لذاتها وللأنثى عامة، ونبشها في الذات الأنثوية،مما جعلها تفصح عن أحاسيسها وشواغلها الذاتية ورغباتها الدفينة التي حرمت لزمن طويل من التعبير عنها، فلم يكن من السهل على أي كاتبة روائية أن تخوض في مواضيع محظورة من طرف المجتمع والسلطة الذكورية؛ غير أننا نجد أن الروائية تثير بكل جرأة تيمة الجسد وما يتعلق به من شهوة ورغبة، متمردة على كل الأعراف والتقاليد؛ تقول على لسان البطلة :« يأخذني حنيني الموجع الساكن إلى منطقة الشهوة والحب واحتضان العالم…» [30].

كما تعبر عن شبقية الجسد على لسان البطل كذلك الذي يصف لقاءه الملتهب بفاتن: «اقتربت من شفتيها اضطربت اضطرابا تكهرب له جسدي. ارتعش جسدها ارتعاشة ممزوجة بالكآبة والشهوة. أحس أنفاسها دافئة. تهب كالنسيم… تلتحم شفتاي بشفتيها ونغوص في قبلة عميقة منبثقة من جرح ألمنا وفرحنا. رعشة القبلة ارتفعت بنا إلى سماء بعيدة. شهقتها ارتفعت بحنان جارح. أحس دواخلها تنبض نبضا لا يلبث أن يتراخى معه جسدها النحيل بين يدي… كسمكة طازجة انفلتت لتوها من حوض ماء….» [31].

بهذا راحت الروائية تصور على لسان شخصياتها، انعتاق الجسد وتوقه إلى الاكتمال عن طريق عنفوان اللذة وألق المتعة، مما يمثل دائما نبشها  في الذات الأنثوية وجعلها تبوح بمكنوناتها الدفينة، والبحث عن الذات المفتقدة المحاصرة والحاجة إلى الحرية وتنفس الهواء النقي لدى شخصيات الرواية عبر قناة الجنس، مما يمثل علامة تحول في وضع الكتابة النسائية في المجتمعات المغاربية التي لا تزال  تحكمها العادات والتقاليد والأعراف، إذ أن حديث الروائية عن علاقة المرأة بجسدها يعد علامة تغيير أساسية تجسد اختراقها للمقدس من خلال الحديث عن المسكوت عنه، عن طريق ممارسة فعل الكتابة الذي  يمثل فضاء انعتاق المرأة من ضغوط البيئة وضوابط الأخلاق وأحكام القيم والأعراف.

وتواصل الروائية النبش في الذات الأنثوية مثيرة موضوعا أكثر حساسية داخل المجتمعات المغاربية، وهو موضوع (الدعارة) وتعاطي البغاء، هذه الظاهرة التي ظلت مغيبة عن الكتابة النسائية لردح طويل من الزمن، تعرفها الكاتبة على لسان بطلها العاجز جنسيا، مما دفعه إلى البحث عن المتعة عند إحدى (بائعات الهوى) لعلها تساعده على الشفاء من عجزه يقول: « في إحدى الليالي التي ركبت فيها صهوة الرغبة والحب مع صديقة أعرفها منذ سنتين تفتح ذراعيها وبيتها لأصدقاء مثلي. امرأة تشتعل بالشهوة والرغبة. امرأة تعيش جرح مهنتها وتنزف جنسا وألما. مهنة احترفتها منذ صباها.»[32].

هكذا تثير الروائية موضوع الدعارة وامتهان الجسد لتثير الانتباه إلى أوضاع هذه الشريحة من النساء اللائي يبعن أجسادهن ويلبين أهواء الرجال مقابل تحقيق المتعة وربح المال…

وتدرج الروائية هذه الآفة الإجتماعية لتصور الأوضاع المختلفة للذات الأنثوية والتعبير عن قضايا المرأة بكل حرية «متحدية  الأحكام الصادرة عن كتابتها من قيم اجتماعية متوارثة»[33].

وعن قناعة وإصرار متواصلين، ووعي قوي بذاتها الفردية،أصرت وفاء مليح على   «تأمل  هذه الذات وتحليل أعماقها والتعبير عنها بجرأة، وهو ما صدم المجتمع لأنها تقوم بتعريته من خلال  تعرية ذاتها، كشكل من أشكال المقاومة التي تقوم به لإخراج ذاتها من دائرة التهميش التي حوصرت فيها منذ التاريخ القديم »[34]، مؤكدة أنها قادرة على أن تصبح صوتا مستقلا يمتهن فعل الكتابة وليست فقط مادة خاما للكتابة، … وأنها قادرة على تعرية الآخر وعيوبه كاشفة الستار عن مواضيع ظلت مسكوتا عنها في كتابة الرجل والمرأة على السواء، ؛ لذلك عمدت الكاتبة إلى النبش  بهدف تعرية الواقع  وعيوبه، تقول معبرة على لسان البطلة «أتذكر علاقة سطحية كانت تربطني بشاب يكتب الشعر وكان يسمي نفسه شاعرا وليس له من إحساس الشاعر إلا إسمه. علاقة اشتهاء لم تعن لي شيئا في دواخلي. بمجرد ما شعرت بالسأم وضعت قبلة عميقة على شفتيه وتركته لامرأة أخرى كما أترك قميصا سئمت من لباسه.»[35].

هذه الجرأة في طرح مثل هذه المواضيع اعتبرت علامة فارقة في حقل الكتابة النسوية التي هتكت الستار عن مواضيع حمراء كانت محظورة الاختراق، على رأسها موضوع العجز الجنسي الذي يعد أخطر الأمراض التي قد تصيب الرجل وتصيب رجولته في الصميم، إذ ليس من السهل على أي رجل  قبول هذه العاهة، لذلك عملت وفاء مليح على طرح هذه القضية وجعل بطل روايتها أحد ضحايا هذا المرض العصيب يقول ( أحمد الوكيلي) الذي أصبح متشظيا، فاقد التوازن بسبب عجزه «وقفت أمام المرآة أمسح قطرات المياه من على جسدي. حينما بدا لي جسدي عاريا أمام المرآة قبالتي. انتفضت انتفاضة فأر مذعور. ركبتني حالة خوف داخلي. رجفة هزت أعماقي. تذكرت في هذه اللحظة أني غير قادر على أن أكون الرجل الذي أريده بل لست رجلا. أين الرجولة مع افتقاد الفحولة ؟؟»[36].

ولا يخفى على أحد قيمة الفحولة، خاصة في المجتمعات العربية التي  ترفض وتحتقر الرجل الفاقد لفحولته، وهذا ما جعل البطل يتكتم على عجزه رافضا البوح به حتى للطبيب؛ يقول: «إحساس بالعجز لا يفارقني. يصاحبني ليل، نهار. صباحاتي. ومساءاتي.  من أين لي القدرة لأنفض وأبوح بسري وضعفي؟…..» [37].

وتواصل الكاتبة النبش في ذات الآخر واقتحام دهاليزها، دون أن تنسى موقفه التاريخي المضطهد للمرأة واختزالها في جسد للمتعة، والنظر إليها نظرة انتقاص تحصرها في اللذة الجنسية وطمس معالم الإنسانية فيها، وهذا ما  تعبر عنه على لسان بطلة الرواية “فاتن الإدريسي”: «عذرته لأنه  يطأ الأجساد دون أن يغوص في الأعماق. سطحي. بوهيمي. ذاعر. حسي. لا ينصت إلا لضجيج جسده المبتذل. ولا يدرك من الحياة إلا وجهها.

لا يعرف الرجل أن المرأة كائن ذات رهافة إحساس عالية.» [38].

وبإصرار أنثوي تعري وفاء مليح المستور من اختلالات في علاقة الرجل بالمرأة لتزداد التحاما بالواقع، فلم تغفل ظاهرة التحرش الجنسي هي الأخرى لكونها آفة تعاني منها كل المجتمعات.

وبذلك تكون وفاء مليح قد اقتحمت جل الطابوهات، ونبشت في مكامن الخلل من خلال النبش في الذات الأنثوية في علاقتها بالآخر وتعرية عيوبهما بلغة أنثوية خالصة؛ تقول: « لن استرجل لكي أكتب سأكتب الحياة بلغة تشبهني وتشبه أنوثتي»[39].

من هنا نستطيع القول ان رواية (عندما يبكي الرجال) تحتفي بالحكاية التي تجد لها تقاسيم في بعض الروايات الكلاسيكية حيث تتم النهاية دوما عبر الموت و الجنون .كاعلان عن عدم التصالح مع العالم الذي تغزوه قيم مزيفة خادعة.

V ـ التيمات الواردة في رواية ” عندما يبكي الرجال”

1 ـ تيمة الجسد :

ارتبط الجسد في ذاكرتنا بإيحاءات سلبية، كالمراوغة والغواية وانشداده إلى اللذة الزائلة والمتع اللحظوية، مما جعله بخسا مدنسا، ناقص الحظوة والمكانة.

وفي محاولة من الروائية “وفاء مليح” لصياغة كتابة مختلفة ومتفردة، عمدت إلى الحديث عن هذا الجسد والإحتفاء به في بعده الإيروتيكي، والسماح بتفجير شحناته الوجدانية، لذلك حضر الجسد بتمثلاته المختلفة، فنراه يرد داخل الرواية جسدا شهوانيا شبقيا؛ تقول الساردة واصفة رغبتها  المشتعلة: « تجتاحني رغبة في أن ألحس  شفتيه الصامتتين حتى تنطقا. وأمام كل قبلة نغوص فيها أبكي انتشاء وخوفا من الفقد.» [40].

هذا الحضور الشبقي للجسد، يعبر عن إقبال الشخصيات وحبها للحياة والتعلق بها، إضافة إلى الرغبة في منحه (أي الجسد ) حريته المستلبة، وكسر الموانع والقيود المفروضة عليه. لذلك عبرت الكاتبة على لسان  بطلتها عن لحظات النشوة التي عاشتها بكل حرية ؛ تقول : «نسمات البرد تدغدغ وجنتينا. تنعش جسدينا. في مشيتها ترقص الخطوات وتتحرك أنوثتها. أتملى في كل جسدها الذي لم يعد هنا.

نغمض عيوننا على وهم الضوء. ونستسلم لمتعة اللحظة. استرق النظر… غائبة في غيابها ترتل صلوات العشق. حزينة وفي حزنها  تثير الشهوة والرغبة في الإمتلاك.» [41].

وعبر هذه المقاطع المعبرة عن حرارة الجسد وشهوته، تعلن وفاء مليح تكسيرها ورفضها لصورة الخنوع والضعف التي وسمت بها المرأة ولازمتها على مدى العصور، فكان لها أن صرفت موقفها وصاغته على لسان بطلتها قائلة: « لن أقدم فروض الولاء والطاعة للتقاليد المريضة التي تكبلني وتحرمني من حقي في ممارسة حياة كائن إنساني، مستقل سأتجاوزها وأفتح ذراعي للحياة. أعانقها  بأخلاق إنسانية عالية.» [42].

تلك كانت رغبة الكاتبة المتمثلة في تعرية المسكوت عنه، وإشهار موقفها  الرافض لعبودية المرأة وحبسها وراء أسوار التقاليد، فكتبت من موقع المنخرطة في السيرورة الإجتماعية الواعية بتحولاتها، محملة بثقافة ووعي يؤهلانها لارتياد عوالم جديدة في كتابتها، وبناء عوالم خيالية ترتقي باليومي والمتداول إلى لحظة إبداعية، من خلال اختيار بطلة وبطل مثقفين، لهما فلسفة خاصة في الحياة  تنبثق من خلال الحب والعشق وتحرير الجسد ورغباته الدفينة؛ وإلى جانب حضور الجسد بصورته الشبقية، يحضر كذلك الجسد المعطل العاجز، ممثلا  في شخصية البطل الذي يعاني  ضعفا جنسيا حوله إلى رجل عديم الجدوى لا رغبة له في الحياة، يقول معبرا عن معاناته : « في قمة اللذة والنشوة. تضعف فحولتي… أهرب من كل امرأة أرى في عينها رغبة واشتهاء… هذا جسد رجل، لكن أين رجولته أمام عجزه؟؟» [43]. هذا العجز الذي جعل البطل دائم الإحساس بالحزن والنقص والعذاب النفسي، بسبب افتقاد رجولته التي يصعب على أي رجل أن يعيش بدونها، لذلك نجده يعبر في ألم : « الأرق  يصاحب ليلي يندس في فراشي ويحول الليالي إلى أفاع بيضاء تلدغ جلدي بسم الألم. أبحث عن النوم. أجري وراءه بدون جدوى. النوم يجافيني وجسدي كتلة من الأعصاب  تدمر روحي.

أقضي  نهاراتي كليالي. أحس بضعف شديد في جسدي وروحي.»[44].

هذه الحقيقة التي عجز البطل عن تقبلها والتعايش معها، مما جعل هذا المناضل التقدمي/ الأستاذ الجامعي، يلجأ إلى تعاويذ والدته وأعشاب بواب عمارته ( إبراهيم)  كي يتخلص من ورطته…

من هنا جعلت الروائية من مشكل العجز الجنسي كابوسا تراجيديا يأخذ بخناق الرواية ويجثم عليها بثقله حابسا أنفاسها.

فعبر شخصيات الرواية صاغت وفاء مليح مواقفها تاركة للقلم حرية الصراخ، الإستفزاز، الكشف،اقتحام  المناطق المحرمة وتجاوز الخطوط الحمراء: « واستجلاء مواطن الجمال بكل أبعاده في مشاهد القبح الإنساني بعيدا عن الهم النرجسي في التظاهر بلغة هي لغة الأنثى، تتسرب بعمق إلى مختلف المشارب الآدمية وتلويناتها»[45].

2 ـ  القضايا السياسية والاجتماعية :

ركزت وفاء مليح في روايتها “عندما يبكي الرجال” على مجموعة من التيمات الأساسية، كتيمة الجسد، تيمة المرأة، تيمة الموت وتيمة العجز الجنسي وغيرها من المواضيع الساخنة والمحظورة.

تحضر إلى جانب هذه التيمات القضايا السياسية والاجتماعية، إذ إن واقع القهر والاضطهاد الذين عاشتهما المرأة المغاربية، وكذا الأوضاع السياسية والاجتماعية التي عرفتها هذه البلدان خاصة بعد الإستقلال، كان دافعا قويا للكتابة وصياغة مواقف على لسان شخصيات روائية؛ لذلك نجد أن العالم الروائي لوفاء مليح ملغوم بالقضايا السياسية والإجتماعية، ومن ثم اختارت الروائية شخصيات مثقفة في أغلبها، ذات هم ومواقف رافضة ومتمردة  وثائرة على السائد من الأوضاع، متشبثة بالوطن، وهذا ما تعبر عنه الساردة في قولها: « أزداد عشقا للوطن. وعندما أعشق الوطن ألتحم فيك إذكاء لجذوة الحمية والانتساب إلى مهدك»[46].

وتواصل  مناجاتها التي تؤكد هذا التعلق بالوطن قائلة: « وطني هو ذاك الذي أحسه ينصت لألمي. لفرحي. ينفعل مع كل انفعالاتي…. الوطن ليس فكرة نعلقها في السماء وننظر إليها من بعيد… الوطن دماء تجري في عروقنا… الوطن عنواني على رقعة الأرض. بطاقة تعريف ترسم هويتي»[47].

هذا العشق والتشبث بالوطن والإلتحام به، موقف تقاسمته جل شخصيات الرواية، فكما أعلنت عن ذلك البطلة، نجد البطل بدوره يؤكد تعلقه الشديد به يقول: «الوطن غائر فينا. يتحدانا. نستسلم لكل نزواته. لأنه الجذر. والأب والأم. ربما نضيع ونتوه عنه لكننا نعود إليه لنطلب الصفح منه… »[48].

هذا هو الوطن  كما ظهر في رواية  “وفاء مليح”، جزء لا يتجزأ من كينونة أبطال روايتها، مما يجعلنا ندرك إيمان هذه الكاتبة بأن التحرر من التناقضات يجب أن يبتدئ أولا من جسد الوطن المقيد بالجراح.

وتواصل الروائية صياغة مواقفها السياسية على لسان شخصيات روايتها لتؤكد أن القضايا السياسية، كان لها بالغ الأثر على أوضاع النساء في الوطن المغاربي، إذ كن يتفاعلن مع  الأحداث وينفعلن بها دون أن يستطعن الفعل فيها؛ غير أن هذا الوضع بدأ يعرف تغييرا أمام إصرار المرأة خاصة المثقفة لاقتحام عالم السياسة  والمشاركة في اتخاذ القرارات بعد أن ظلت مبعدة ومقصية؛ وهذا ما يبرر حضور القضايا السياسية في الأعمال السردية النسائية في الوطن المغاربي، فكانت رواية “عندما يبكي الرجال” واحدة من هذه الروايات التي أثارت مجموعة من المشاكل السياسية، خاصة وأنها رواية كتبت في سياق اجتماعي وسياسي وتاريخي، إنه  سياق العولمة الإمبريالية بكل شراستها واندفاعاتها وأعطابها؛ إضافة إلى ما كان يعرفه المغرب من حراك سياسي عارم، وصراع بين أحزاب المعارضة والأحزاب الموالية للنظام وما واكب ذلك من احتجاجات الرفض الصادرة عن الشعب، وهذا ما عبر عنه البطل قائلا: « نحن قلة عارضت الخط الذي أصبح يسير عليه الحزب ضاق بخطاباته الشعب. خطابات عقيمة تتشابه، فلم يعد يحتمل أسطوانته المشروخة. صرخنا كفى من الضحك على الذقون. كفى من خداع الناس والحال كما هو عليه لا يتغير.» [49].

هذا المقطع يبرز بوضوح موقف البطل الرافض لسياسة المماطلة والتسويف والخطابات العقيمة، مما جعل الشباب يعزف عن خوض غمار السياسة، بسبب فقدان الثقة في ممثليهم الذين انشغلوا بمصالحهم الخاصة ضاربين مصالح الشعب المسحوق عرض الحائط، يقول السارد: «الشباب اليوم يعزف عن العمل السياسي المنظم معلنا عن موقف سياسي  وعن رأيه في الوضع السياسي للبلاد. نوع من رد الفعل تجاه ممارسة سياسية لم تقدم ما يكفي من المصداقية لتحفيز الشباب على الإنخراط الواعي والمسؤول في العمل السياسي. غياب الديمقراطية داخل الأحزاب يشكل حاجزا يحول دون تمكين الشباب من تحقيق ذاته داخل بنيات حزبية تعاني من عدة أعطاب»[50].

ولم تقف الرواية  عند هذا الحد، بل تجاوزته إلى أبعد من ذلك، مزيحة الغطاء عن مجموعة من الأمراض الإجتماعية التي  يعاني منها المجتمع، يأتي على رأسها مشكل الرشوة والمحسوبية والوساطة والفوارق الاجتماعية، لتقف عند مشكل المعطلين الرابضين أمام مبنى البرلمان مطالبين بالعمل متحدين هراوات القمع: « مكثنا ساعات طوالا  نتدفق هتافات ونمرغ أيدينا في أوعية اللامسؤولية واللامبالاة عساها تحرك قليلا  المياه الراكدة… صراخات دونكشوتية يذهب صداها إلى الفضاءات القريبة. يعود إلينا ضاربا على جدار نفوسنا. فارغا من دلالاته.

تعبنا من النظر إلى قبة البرلمان. تعبنا من النظر إلى القصر وما يجاوره من أحياء الصفيح.

تعبنا من العيش في تناقضات… صدى الركل والرفس لتفرقة الجموع. فرقتها الأيدي والركلات وأشياء أخرى تشبه العصي. لم نهرب ولم نفر بل وقفنا ننادي بشعاراتنا. ضرب من ضرب ودفع من دفع. تلفعنا بعباءة العناد والمقاومة»[51].

وتتوالى مواقف الإدانة للسائد من الأوضاع الفاسدة التي تعيشها الطبقات المقهورة التي  يمارس عليها الإضطهاد والقمع ، تقول الساردة: «حتى الخبز غذاؤنا اليومي يدسون في خميرته أفيون الذل والإستكانة، يخدروننا تخديرا أصبحنا على إثره لا نفكر في أمسنا ولا غدنا، قطعانا غارقة في اللامبالاة قاتلة تعيش على الأكل والنسل فقط…»[52].

هذه الأوضاع المأساوية جعلت الروائية توظف الأغنية الملتزمة، المتمثلة في الأغنية الغيوانية التي ألهبت مشاعر الجماهير المغربية لسنوات طويلة، وأذكت روح الحماس والرفض فيهم « نبتت بين طيات ضلوعه في فترة كان يعيش فيها تحت عناء سياسة  تحاسبه على تنفسه الفكري والفني»[53].

هكذا ظهر الواقع بأسسه الهشة في رواية (عندما يبكي الرجال)، فكان سببا في معاناة الفرد الذي سئم حالة الترقب والانتظار لغد مشرق، بات مجيئه أمرا صعبا.

أمام هذه الظروف الصعبة والوضع المأساوي، كان متوقعا من الكاتبة أن تصرف على لسان شخصياتها حلولا لواقع متردي، فكان الارتباط الوثيق بالوطن هو الحل الأمثل لإخراج البلاد من أزمتها، الأمر الذي يفسر حضور هذه التيمة بشكل قوي داخل الرواية، إذ لا تمر مناسبة إلا ونجد السارد أو الساردة تؤكد حبها والتحامها بوطنها، تقول (فاتن الإدريسي): «سأتعفر بتراب بلدي وأصرخ حتى وإن كان صراخي تسمعه فقط جثث المقابر وصداه لا يتجاوز جدرانها. فهنا جذوري هنا روحي. هنا لغتي…… سأكتبني بحروف  ثائرة………»[54].

إلى جانب دعوة الكاتبة إلى التشبث بالوطن، نجدها تناشد الشباب للانخراط  الفاعل  والمسؤول في  العمل السياسي، لتحقيق الديمقراطية وإصلاح مجموعة من الأوضاع المعطوبة، مقترحة مجموعة من الحلول الفعالة؛ تقول فاتن الإدريسي: « غياب الديمقراطية داخل الأحزاب يشكل حاجزا يحول دون تمكين الشباب من تحقيق ذاته داخل بنيات حزبية تعاني من عدة أعطاب. لهذا اقترح ما يلي:

– منظومة تعليمية ديموقراطية تستحضر البعد الديمقراطي التشاركي إعدادا وتنفيذا.

ـ إحداث تنظيم ديمقراطي جماهيري وقوة شبابية فاعلة قادرة على تحريك الشباب والتعبير عن مطالبه الملحة وذلك من أجل العمل على:

ـ تقوية الفعل الوحدوي الشبابي… »[55].

هكذا جاءت رواية (عندما يبكي الرجال ) صرخة إدانة لأوضاع سياسية واجتماعية فاسدة  منددة بالفوارق الطبقية وإهمال الفئة المتحكمة لأوضاع الشعب؛ تقول على لسان السارد: «سيارات فارهة مصطفة أما المبنى. اليوم… النواب البرلمانيون يناقشون قضايا الشعب. هذا ما يقولون. ولكن قضايا الشعب ما تزال ساكنة في قلب الشعب وهم يتقاضون أجورا لو وفر جزء منها لحل تدريجيا مشكل المعطلين.»[56].

لقد حاولت “وفاء مليح” تقمص شخصية الرجل المحبط سياسيا وجنسيا ونفسيا وفكريا، في محاولة لسبر أغوار مواجعه الدفينة، موضحة من خلاله موقف المثقف في صراعه غير المتكافئ مع السلطة.

VIـ خصوصية الكتابة عند وفاء مليح من خلال رواية ” عندما يبكي الرجال” .

إذا كانت الروائية وفاء مليح تعتبر الكتابة «وسيلة لتحقيق الوجود وتحديد اللذة ومتعة الإكتشاف المتواصل والمتحرر»[57].

فإن هذه الكتابة لا بد أن تكون لديها مميزاتها الخاصة، ولا بد أن تبحث عن وضعها الاعتباري بملامحه وخصوصيته الأنثوية، هذا ما حاولت وفاء مليح إثباته من خلال روايتها (عندما يبكي الرجال)، التي عبرت من خلالها الكاتبة عن إيمانها بذاتها وحقها في القول المختلف من خلال لغتها الخاصة، والتي استنطقت بواسطتها التجارب الحياتية  لشخصياتها، انطلاقا من تصورها الخاص ليظهر وجودها الأنثوي المنغرس في النص، هذا الوجود الذي حاولت من خلاله الروائية منح كتابتها طابعا مميزا باقتحامها المناطق المحرمة وتعرية المستور والمطمور في المجتمع تقول: « في لحظات العري هذه، تتجرد الذات الكاتبة من رقابة الأنا والآخر لتنصت، إنصاتا حقيقيا وصادقا لخلجات  وتوثرات النفس والجسد معا، سواء أكانت للمرأة أو للرجل وهي بذلك تلتحم التحاما قويا بنبضات الواقع وأفعال الحياة في بساطتها وقوتها دون زيف أو تصنع.. » [58].

إن نظرة متفحصة في معجم رواية “عندما يبكي الرجال” تجعلنا نقف على سمة مميزة تسم  كتابة وفاء مليح تتمثل في التكرار الملحوظ لكلمات معينة تدخل في مجال المشاعر المتحررة، مما يجعلنا نرجح أن هذا التكرار مقصود من طرف الكاتبة، ربما تقصد من ورائه تمردها على الرقابة المفروضة على قلم المرأة بصفة عامة، لذلك سنحاول الوقوف على  الألفاظ  والكلمات التي تكررت بكثرة عبر صفحات الرواية.

رغبة حب جسد شهوة أنوثة عشق
صفحة 7 مرة واحدة صفحة 7 / 3 مرات

(الحب، الحب، حبي)

صفحة 6 مرة واحدة صفحة 15 مرة واحدة صفحة 8 مرة واحدة صفحة 12 مرة واحدة
صفحة 51 مرتين صفحة 7 مرة واحدة صفحة 51 مرة واحدة صفحة 51 مرة واحدة صفحة 51 مرة واحدة
صفحة 52 مرة واحدة صفحة 9 مرة واحدة صفحة 52 مرة واحدة (أشهى) صفحة 52 مرة واحدة صفحة 52 مرة واحدة
صفحة 53 مرة واحدة صفحة 16 مرة واحدة صفحة 53 مرة واحدة (اشتهاء) صفحة 64 مرة واحدة صفحة 53 مرتين
صفحة 62 مرة واحدة صفحة 8 مرة واحدة صفحة 17 مرة واحدة صفحة 56 مرة واحدة صفحة 94 مرة واحدة صفحة 56 مرة واحدة
صفحة 63  مرة واحدة صفحة 10 مرتين (أحبك، الحب) صفحة 32 مرة واحدة صفحة 62 مرتين صفحة 91 مرة واحدة
صفحة 74 مرتين صفحة 11 مرة واحدة صفحة 41 مرة واحدة صفحة 63 مرة واحدة
صفحة81/ 3 مرات صفحة 12 مرة واحدة صفحة 43 مرتين صفحة 68 مرة واحدة
صفحة 94/ مرة واحدة صفحة 14 مرة واحدة صفحة46 مرة واحدة صفحة 82 مرة واحدة
صفحة 97/ مرة واحدة صفحة 15مرة واحدة صفحة 51 مرتين صفحة 96/ 3 مرات
صفحة 16 مرة واحدة صفحة 55 مرتين صفحة 97 مرة واحدة
صفحة 33 مرة واحدة صفحة 56 /3 مرات
صفحة 46 مرة واحدة صفحة 57 مرتين
صفحة 53 مرة واحدة صفحة 59 مرة واحدة
صفحة 63 ست مرات صفحة 63 مرتين
صفحة 64 مرتين صفحة 64 /  3 مرات
صفحة 67 / 9 مرات صفحة 68 مرة واحدة
صفحة 73 مرة واحدة صفحة 71 مرة واحدة
صفحة 81 مرة واحدة صفحة 75 مرة واحدة
صفحة 104 مرة واحدة صفحة 80 مرتين
صفحة 81 مرتين
صفحة 107 مرة واحدة صفحة 82 / 6 مرات
صفحة 83/  6 مرات
صفحة 95 /3 مرات
صفحة 96 / 8 مرات
صفحة 97 / 6 مرات
صفحة 98 / 4 مرات
صفحة 103 / مرة واحدة
المجموع 14 مرة المجموع 36 مرة المجموع 66 مرة المجموع 14 مرة المجموع خمس مرات المجموع سبع مرات

يظهر من خلال الجدول تحقق  ظاهرة التكرار، إذ نجد تكرار الكلمات المتعلقة بمعجم  المشاعر الدالة على رغبات الجسد، كتكرار كلمة (حب) بلفظها واشتقاقاتها اللغوية المختلفة (الحب، حبي، أحبك) مرات كثيرة، حيث تتكرر الكلمة أكثر من مرة في الصفحة الواحدة، كما تكررت كلمة ( جسد) 66 مرة ليبلغ  مداه، فيصل إلى ثمان مرات في الصفحة 96 وست مرات في الصفحات 82-83-97، ثم تكررت كلمة(رغبة) في مجموعة من الصفحات بما مجموعه 14 مرة شأنها شأن  كلمة (شهوة)، (أنوثة)، (عشق) الحاضرة بدورها باشتقاقاتها المختلفة (العشاق، العشيقة، أعشق)؛ ناهيك عن تواثر كلمات أخرى بشكل  ملحوظ ككلمة ( أنوثة، لذة، انتشاء، متعة)…

إذا تأملنا هذه الكلمات التي شاع تكرارها بين صفحات الرواية، سنتبين أن السجل اللغوي الذي تنتمي إليه يندرج ضمن مجال المشاعر التي أطلقت الكاتبة عنانها. إن التكرار المكثف لكلمة حب، رغبة، جسد، شهوة يجعلنا ندرك أن هذا الاحتفاء بها يمنحها أهمية خاصة تضفي نفحة شعرية على لغة الرواية ما دمنا نعلم أن التكرار هو خاصية من خصائص الكتابة الشعرية، التي تمتح كلماتها من معجم الوجدانيات والإنفعالات، من خلاله حاولت الكاتبة أن ترسم صورة فعلية لأحوال الذات؛ تقول  على لسان بطلتها: « لماذا هذا الوقار  في حضرة الحب؟؟ ألا تعرف أن الحب ليس له عمر وليس له وطن؟؟… دعني أتصالح مع لغتي. مع جسدي في حضرتك. دعني أصلي صلوات حبي في معبد صمتك.»[59].

هذا فيما يخص ألفاظ الرواية، أما إذا وقفنا على مقاطعها نجدها تعبق بنفحات شعرية، حيث نصادف التواثر المكثف للصور البلاغية والأساليب المجازية، مما يعكس شغف الروائية بانتقاء العبارات والإحتفاء الكبير باللغة، تقول في أحد مقاطع الرواية: « أتأمل وجهها، جسدها ضوء غريب يلتمع منهما. وأنا مشدود إليه إلى سره الخفي. أحسني اغتلم اغتلاما شديدا. فأمسك نفسي  التي ستتهاوى فوق حدائقها. اقترب ثم أبتعد وهي أمامي أيقونة تفوح منها…» [60].

هذا المقطع ومقاطع أخرى تعكس الحضور القوي والمكثف للصور الاستعارية، فنجد أن كل استعارة تضم استعارة أخرى مما يجعل لغة الرواية مثقلة بالدلالة  والإيحاء من جهة، والتوتر والتصوير من جهة أخرى، لتخلق في النهاية لغة هدفها الإمتاع وتحقيق الجمالية والكشف  عن انفعالية قصوى تسم الذات الكاتبة ، إذ أحيانا يتوارى عنصر الإخبار في بعض مقاطع الرواية وتتحول اللغة إلى لغة مشحونة قائمة على التخييل والتصوير والإيحاء؛ تقول الساردة: « … وأنت ترتل صلواتك في صمت. كنا عاشقين في ضيافة المطر. نمتهن حماقات العشاق في مدينة تقطن خارج الزمن. نطرد الغياب لحظة الاشتياق. تنظر إلى الغيوم. تفتح حواراتك الصامتة لتؤكد انتماءك إلى كل الدموع الهاطلة التي تغسل الشوارع من أدران الجبن المستتر.» [61].

يظهر اكتظاظ الصور المجازية في هذا المقطع بجلاء، من بينها إسناد الروائية للصمت دور الكلام، وفي موقع آخر من الرواية تظهر شعرية اللغة من خلال قول البطلة: « أهمس لنسيم البحر أن يعطر الجو بأريج حبه. لينسكب على جسدي ماء منسابا يدغدغ مناطقه النائمة والمتعبة.» [62].

فالكاتبة تسند ” للحب” فعل الإنسكاب والتدفق لتظهر الدوال مشحونة بمدلولات جديدة، تدفع المتلقي إلى التخييل والتصور، وتتعدد مثل هذه المقاطع داخل الرواية مما يحقق كثافة التصوير التي  تسهم في تعزيز طاقة اللغة الإيحائية  وتسربلها ببعض الغموض،  وهذا ما يجعل لغة وفاء مليح لغة شعرية كثيفة الدلالة.

ومجمل القول ، فقد جاءت رواية “وفاء مليح”، عملا سرديا مغربيا بهمومه وأسئلته وأشجانه، مغربي بفضاءاته وأمكنته الرباطية الجميلة ( شارع النصر، باب الرواح، شارع مولاي يوسف، ساحة العلويين)، مغربي بشبابه الثائر، بحواراته واستحضاراته الجميلة لرموز الأغنية المغربية؛ هي في النهاية رواية مغربية مؤنثة مكتوبة بلغة روائية مؤنثة، تجمع بين النثر والشعر، معتمدة على الجمل الشعرية المكثفة الموحية، خاصة في حال السرد المونولوجي الذاتي .

الهوامش:

[1] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال»/ أفريقيا الشرق 2007 ـ ص 8.

[2] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال»/ أفريقيا الشرق 2007 ـ ص 172- 173.

[3] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال»/ أفريقيا الشرق 2007 ـ ص 100.

[4] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص: 27- 28.

[5] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 14.

[6] ـ مخائيل باختين : الخطاب الروائي، ترجمة محمد برادة، دار الفكر للدراسات والنشر القاهرة باريس 1987 ص 16.

[7] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 5.

[8] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 40.

[9] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 66.

[10] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 69.

[11] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص72- 73.

[12] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 125.

[13] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 126- 127.

[14] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 122.

[15] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 99.

[16] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 61.

[17] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 60.

[18] ـ محمد معتصم : النص السردي العربي الصيغ والمقومات / شركة النشر والتوزيع – المدارس، الدار البيضاء، طبعة 1 2004 ص 167.

[19] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 17.

[20] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 18.

[21] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 19.

[22] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص20.

[23] – وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص: 21.

[24] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 58-59.

[25] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص: 28- 29.

[26] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 99.

[27] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 137.

[28] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 87.

[29] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 7.

[30] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 15.

[31] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص: 56-  57.

[32] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 81.

[33] ـ وفاء مليح: أنا أكتب إذن أنا موجودة / الكتابة النسائية التخييل والتلقي، أعمال ملتقى المرأة والكتابة ط 1 يوليوز 2006 ص 203-204.

[34] ـ المرجع نفسه.

[35] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 62.

[36] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 96.

[37] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 98.

[38] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 63.

[39] ـ وفاء مليح: أنا أكتب إذن أنا موجودة / الكتابة النسائية التخييل والتلقي، أعمال ملتقى المرأة والكتابة ط 1 يوليوز 2006 ص 203-204.

[40] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص 7.

[41] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص51.

[42] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص78.

[43] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص82.

[44] ـ وفاء مليح: «عندما يبكي الرجال» ص154-155.

[45] ـ وفاء مليح: أنا أكتب ، إذن أنا موجودة: الكتابة النسائية التخييل والتلقي ص 207.

[46] ـ وفاء مليح: رواية «عندما يبكي الرجال» ص 10.

[47] ـ وفاء مليح: رواية «عندما يبكي الرجال» ص 11.

[48] ـ وفاء مليح: رواية «عندما يبكي الرجال» ص 50.

[49] ـ وفاء مليح: رواية «عندما يبكي الرجال» ص 24.

[50] ـ وفاء مليح: رواية «عندما يبكي الرجال» ص 35.

[51] ـ وفاء مليح: رواية «عندما يبكي الرجال» ص: 39- 40.

[52] ـ وفاء مليح: رواية «عندما يبكي الرجال» ص: 60- 61.

[53] ـ وفاء مليح: رواية «عندما يبكي الرجال» ص: 73.

[54] ـ رواية «عندما يبكي الرجال» ص 14.

[55] ـ رواية «عندما يبكي الرجال» ص: 35- 36.

[56] ـ رواية «عندما يبكي الرجال» ص 87.

[57] ـ وفاء مليح: أنا أكتب ، إذن أنا موجودة: الكتابة النسائية التخييل والتلقي، منشورات اتحاد كتاب  المغرب، ص 197.

[58] ـ المرجع نفسه، ص 206.

[59] ـ رواية ( «عندما يبكي الرجال») ص 7.

[60] ـ رواية ( «عندما يبكي الرجال») ص 56.

[61] ـ رواية ( «عندما يبكي الرجال») ص8- 9.

[62] ـ رواية ( «عندما يبكي الرجال») ص 16.