آخر الأخبار
الرئيسية > الإفتتاحية > العبارات التي تثير “النعرات الجهوية” في تونس وأبعادها النفسية والإجتماعية: بقلم الباحث صالح الزايدي
العبارات التي تثير “النعرات الجهوية” في تونس وأبعادها النفسية والإجتماعية: بقلم الباحث صالح الزايدي

العبارات التي تثير “النعرات الجهوية” في تونس وأبعادها النفسية والإجتماعية: بقلم الباحث صالح الزايدي

إن إستعمال لغة الشتائم والعنف اللفضي عموما ظاهرة قديمة جديدة في مختلف المجتمعات و عند أغلب الأمم، حيث نجد أسلوب التهجم والشتيمة حاضرا في كل الثقافات ومنذ زمن الإغريق على الأقل، على حسب المصادر المتوفرة.
ولم تكن الثقافة العربية والإسلامية  بمنأى عن الثقافات الأخرى في إستعمال خطاب القذف والشتم والعنصرية والتحقير، خصوصا في مجتمعاتنا الحالية. فالناس في أغلب حالاتهم الإنفعالية يميلون إلى محاولة هجاء الآخر ومحاولة الحط من قيمته قدر ما إستطاعوا لغاية إذلاله والنيل منه وذلك بأساليب مختلفة وكلمات نابية تصل إلى تحقير الأصل و ممارسة العنصرية بشتى أشكالها مع الخصم، وقد نلحظ ذلك جليا في العديد من المواجهات التي تنشب بين المتنافسين سواءا كان ذالك في المناسبات الرياضية داخل أرضية اللعب أو من خلف المنابر خلال الإستحقاقات السياسية وغيرها..
في هذا المقال البسيط، إرتأينا الغوص في في أغوار بعض الألفاظ المتداولة والتي تبعث على الإقصاء وتحقير الآخر والتقليل من المكانة الإجتماعية وذلك بغية البحث في دلالاتها وأبعادها الاجتماعية والنفسية، سعيا منا للإجابة عن ذلك السؤال المبهم الذي لا يمكننا كأشخاص متساويين أمام الله والقانون أن نجد له إجابة مقنعة و منطقية والذي يمكن طرحه كالتالي؛ كيف يمكننا فهم السلوكيات العنصرية والجهوية التي تصدر عن البعض ممن يعتبرون أنفسهم أرقى درجة من غيرهم؟!
لا يخلو المجتمع العربي عموما والمجتمع التونسي خاصة من وجود مثل هكذا ظواهر نلحظها يوميا في المدرسة والمترو والحافلة والمقهى وحتى في الإدارات والمنابر الإعلامية والسياسية وغيرها. يلجأ الكثير إلى تحقير الآخر بشتى النعوت الجهوية والعنصرية والعبارات النابية التي عادة ما تخرج عفويا أو قصديا من قبيل “جبري” “من وراء البلايك” وغير ذلك من الألفاظ المهينة لا لشخص واحد فقط بل هي مهينة لمجموعات وجهات كاملة.. وإنه لمثير للإهتمام عدم تناول هذه المسألة بالدرس والبحث فيها ومحاولة الحد من تأثيرها على العلاقات الإجتماعية بين الأفراد والجماعات في تونس، وإنه ولئن كان أفراد المجتمع التونسي والعربي عموما من أكثر المجتمعات تلفضا بالعبارات العنصرية والجهوية والنعوت السيئة المبنية على تحقير الآخر في مذهبه وأصله ولهجته ولباسه ولونه، فإن غياب البحث في خلفياتها يظل شحيحا.. ومن المفارقة أن التونسي، عامة، معروف إلى حد ما بحسن إنتقاء العبارات وقت “السلم” إلا أنه ينقلب عنصريا غاضبا متعصبا لأصله وفصله خاصة في المنافسات الرياضية وبين جماهير الكرة داخل الملعب وخارجه و وصولا للسب والشتم على المواقع الإفتراضية والتغني بالأصل والأصالة و الأحقية في الحصول على لقب “أسياد هذا الوطن”،!
ويمكن القول، هنا، أن جولة واحدة، في سوق من الأسواق التونسية، أو حتى في المدارس والجامعات كافية كي تشاهد وتسمع ما يثير الإستغراب من عبارات جهوية وعبارات إستهجان تجاه لهجة الآخرين وذم أصلهم في مقابل التباهي بالأصل والعراقة وتاريخ العائلة ويمكنك سماع البعض يرددون بكل فخر “نحن أولاد بلاد” أو “نحن ولاد ربط” وغير ذلك من الألفاظ المهينة للآخر الوافد الجديد على تلك المنطقة وهو الشيء الذي يضع الأخير في مواقف محرجة من طريقة كلامه ولهجته الغريبة عنهم، وهو ما يجعله يحاول التشبه بهم وبلهجتهم وسلوكهم درءا لتهجهم وتجنبا لإستهجانهم اللا مبرر..
إن النظر عن قرب و التبصر في مثل هكذا سلوكيات و محاولة ربطها بمسبباتها وأسباب تفشيها في المجتمع التونسي، جرنا إلى الوقوف عند بعدين لهذا السلوك اللغوي الذي كبر معنا وأثث لغتنا اليومية خلال نقاشاتنا وخلافاتنا مع الآخرين ألا وهما البعد النفسي والبعد الإجتماعي.
البعد النفسي:
إن البرمجة اللغوية العصبية خلال التنشأة الإجتماعية للطفل ومحاولة ضبط السلوك اللغوي لديه قد يكون حاسما أمام فرصة تلقيه أي إشباع سلوكي غير سوي من المحيط الإجتماعي الذي سيعيش فيه بقية حياته. ويؤكد علماء النفس من جهتهم على أن برمجة سلوكنا اللغوي يبدأ من هذه المرحلة الحاسمة والتي أسماها مؤسس مدرسة التحليل النفسي “سيغموند فرويد” بالمرحلة الأوديبية (نسبة إلى عقدة أوديب)، حيث يكون الطفل خلالها أكثر تعلقا بأحد أبويه وكثير الأسئلة والتي قد لا يعطيها الأولياء الأهمية اللازمة، وعادة يعود ذلك لقلة وعيهم بحساسية تلك المرحلة بالنسبة للإبن في مستوى تكوين شخصيته، بما تحمله هذه الشخصية من مواقف وما تطبعه هذه المرحلة فيه من عادات و سلوكيات يتعلمها من المقربين منه ليتعامل بعد ذلك مع الآخرين وفقها.. إن إفهام الطفل معنى الإختلاف والإحترام و التعايش، بإعتماد طرق التربية الذكية، لهي من أهم العوامل التي ستقضي على وجود مثل هكذا ظواهر في المجتمع لا محالة. كما أكدت عديد الدراسات للسلوك اللغوي أن جل من يتميزون بالنطق بهذه المترادفات السيئة في خطاباتهم تجاه الآخرين يشتركون في تلقي برمجة لغوية عصبية نفسية واحدة وعادة ما يغيب في عملية تربيتهم، في المرحلة ما بين سن الثالثة والسادسة، عنصر الرقابة والضبط الأسري وهو ما يحدث إشكالا وخللا في شخصية الطفل يصعب علاجه مع التقدم في العمر وهو ما من شأنه أن يؤثث لتكون عقد من الآخر تصل إلى حد كرهه ورفض وجوده والتعايش معه. ولعل ما يقوله الأبوين والمقربين الآخرين في حضور الأطفال قد تكون له إنعكاساته على تنمية شخصية الطفل وتؤثر على سلوكه بحسب ما يتلقاه.
البعد الإجتماعي:
يمكن لنا هنا أن نتبنى نظرية العصبية عند العلامة إبن خلدون، حيث حدثنا الأخير عن مدى إستحضار النزعة المتطرفة للقبيلة في فض النزاع مع الآخرين و كيفية تبني الجماعة لخطاب الإعتزاز بالأصل و تحقير الأصلول الأخرى عند القبائل العربية التي وجدت، في تونس، طيلة قرون، وإنه ورغم إضمحلالها ككيانات أو بنيات ينضوي تحتها أفراد متعصبين لأصلهم وحسبهم ونسبهم فإن العقلية القبلية مازالت تعشش في عقول العديد من التونسيين أفرادا وجماعات، ولعل ذلك ما يحثنا على الغوص في أغوار بعض السلوكيات و خلفياتها “السوسيوثقافية” ومحاولة فهمها وربطها بخلفياتها من أجل إيجاد الحلول الكفيلة للحد منها.
الحلول:
ولئن كانت عقودا من الإنحلال الأخلاقي والفساد السلوكي قد تجعل مهمتنا صعبة في إيجاد حلول مجدية وكفيلة لإصلاح ما يمكن إصلاحه في المجتمع، إلا أن الأمر قد يكون أسهل في حالة تكاتف جهود المجموعة الوطنية بمختلف مواقعها وقيام كل طرف بدوره على أكمل وجه.
-دور المقربين:
تعتبر العائلة المؤسسة التربوية الأولى التي يعود لها الشأن في تربية الناشئة على فضائل الأخلاق ومكارمها، كما تمثل أولى الأطراف التي من شأنها أن تقود هذه المهمة الصعبة نحو إنتاج جيل بعيد في سلوكه عن كل أشكال العنصرية والإقصاء وتحقير الآخر.
إن إبتعاد المقربين عن التلفظ بكل العبارات المهينة والجارحة تجاه الآخرين المختلفين أمام أطفالهم لمن شأنه أن يحيد بالطفل عن تبني أي خطاب عنصري أو جهوي أو إقصائي تجاه المحيطين به. ولا يقل دور باقي أفراد المجتمع في المحيط الخارجي أهمية عن دور العائلة أو الأفراد المقربين في الأسرة الموسعة بمعنى أن يكون الجميع مسؤولا من خلال ضبط سلوكه وألفاظه أمام الناشئة وذلك في سبيل إنتاج جيل من الشباب الواعي والمتزن والقادر على تجاوز خطابات لا تنفع البلاد ولا العباد في شيء.
-دور المدرسة:
لا يقل دور المدرسة في شيء عن دور العائلة حيث تعد المحدد الثاني لشخصية الفرد المستقبلية ولنوعية العلاقات داخل الجماعة، وإنه لمن الجدير بالذكر، لحلحلة أزمة الأخلاق عموما وأزمة خطاب الجهوية والعنصرية خاصة، أن المنتمين إلى الحقل التربوي قد تدرجوا نحو التخلي عن دورهم التربوي إلى حد بعيد، في ظل عالم رأسمالي مقيت يجعل من الفاعل الإجتماعي يتخلى عن دوره الأخلاقي ولا يفكر سوى في الكسب والإرتزاق.
إن الفاعلين في المؤسسات التربوية يجب عليهم أن يكونوا هم “رأس الحربة” في عملية الإصلاح الأخلاقي الشامل وتكريس مبدأ مهم كمبدأ التعايش، والذي لا يتحقق إلا بإيجاد طرق علمية يكونون متمكنين منها، عن طريق تواصل جيد بينهم وبين بقية الفاعلين، داخل المؤسسة، لإعطاء صورة جيدة تطبع في ذهن الناشئة وتكون لديهم شخصية متسامحة مع أنفسهم ومع الباقين.
عموما، يمكن أن تتعدد وجهات نظرنا حول أسباب ومسببات كل ظاهرة إجتماعية معتلة، تشكل عائقا أمام النهوض والتقدم، لكن يمكننا جميعا أن نتفق على أن البحث عن دواء نعالج به أمراضنا الإجتماعية أصبح ضرورة ملحة.
أما حان الوقت كي نعالج أنفسنا