آخر الأخبار
الرئيسية > الإفتتاحية > معضلة الديمقراطية وخطر “الديماغوجية” :بقلم الباحث صالح الزايدي
معضلة الديمقراطية وخطر “الديماغوجية” :بقلم الباحث صالح الزايدي

معضلة الديمقراطية وخطر “الديماغوجية” :بقلم الباحث صالح الزايدي

يقال: “إن الديمقراطية هي أحد الأفكار البدائية حيث أن الحقيقة لا تحدد بعدد الأشخاص بل بالدليل و البرهان و التجربة.”
إنه لمن الغلط البين أو المقصود القول بأن الممارسة الديمقراطية سوف تقضي حتما إلى الرفاهية والتعددية، في زمن التجاذب و”الديماغوجية.”
إن مسألة الديمقراطية، في العالم، ومدى نجاعتها كمنهج في حكم الشعوب أو كحل للخروج بقرار سليم داخل مجموعة ما، هي موضع جدل وتسائل قديم جديد يشتد مداه، في كل مستجد تنتجه على أرض الواقع، كممارسة تعطي أفراد المجموعة حرية الإختيار بين شخصين أو أكثر.
ولعل ما شهده العالم، في السنوات الأخيرة من إفرازات هذه الممارسة الشعبية من نتائج غير متوقعة كفوز “دونالد ترامب” بالحكم في واحدة من أرقى الديمقراطيات في العالم، ونقصد الولايات المتحدة الأمريكية، في وقت إنتظر فيه كل متابع فوز أي أحد آخر غيره وفضل المحللون لشخصية المرشحين إختيار شخصية إعتبروها، نوعا ما، متزنة أكثر منه ك”هيلاري كلينتون”.
لكن، و على عكس كل التوقعات، فاز ترامب بالحكم كرئيس جديد لأقوى دول العالم، في الوقت الراهن. ومن جهة أخرى من العالم، مثلت عملية الإستفتاء الشهيرة التي قام بها الفائز بإنتخابات بريطانيا لسنة 2015 “دايفيد كامرون”، والمتمثلة في سؤال الشعب سؤالا بسيطا في شكله وعميقا في مضمونه بهل أنت مع البقاء في الإتحاد الأوروبي أم لا!؟، مثلت نتيجة هذا الإستفتاء صدمة كبيرة لدى المجتمع الدولي، لأنه ورغم أهميته كفعل ديمقراطي، فإنه أخرج أكبر دولة من أكبر إتحاد دول في العالم! وهو ما قد يضر بمصلحة الإثنين (بريطانيا والإتحاد الأوروبي)، في نفس الوقت، وبالأخص ستكون له إنعكاساته المباشرة على حياة الشعب الإنجليزي، لا سيما أن البحث في مدى وعي هذا الأخير بما فعله أكدت أن قراره كان “إرتجاليا” لا ينم سوى عن تأثير الديماغوجيا على عقول الناس، ولعل الدليل على ذلك ما أكدته شركة غوغل، خلال الأيام الموالية لنتائج لإستفتاء المصيري، بقولها أن أكثر الأسئلة التي تم طرحها، في موقعها من قبل مواطنين بريطانيين، في اليوم الموالي للنتائج، هو “ما معنى الإتحاد الأوروبي”!! أي أن الشعب الذي كان قد صوت لخروج بلاده من الإتحاد الأوروبي لا يعرف طبيعة ذلك الإتحاد الذي كانت فيه أصلا! وهذا بالضبط ما يمكن أن نسميه ب”معضلة الديمقراطية”.. إن الديمقراطية في معناها الأصلي الإغريقي تعني حرفيا “حكم الشعب”، وقد تحدث فلاسفة أثينا، وقتها، عن محاسن النظام الديمقراطي وحبذوه رغم أن بداياته كنظام لإختيار الأفضل كانت تقتصر على مشاركة النخب من الشعب اليوناني، وتدرجت الممارسة الديمقراطية نحو الإتساع والشمولية، شيئا فشيئا، ليصبح العامة مشاركين أيضا. ورغم أنها كانت كذلك ومثلت سبيلا مثاليا للحكم، فإن من مفارقاتها، كشيء جيد للقيام بالفعل الصواب، أنها ساهمت في إنتاج قرار خطير كقرار إعدام أهم فلاسفة ذلك العصر الفيلسوف سقراط بعد التصويت الجماعي على قتله بتهمة إفساد الشباب!.
وإنه لم يكن خفي على أهم مفكر، في اليونان القديمة، أن سوء فهم هذا النظام الجديد سيأتي بنتائج غير محمودة، وفعلا كان موته الذي تمكن من التنبأ هو ذاته بأسبابه نتيجة تصويت ديمقراطي لمصوتين غير واعين. و لئن كانت الديمقراطية شكل من أشكال الحكم يشارك فيها جميع المواطنين على قدم المساواة، وذلك بغية تطوير وإستحداث القوانين وإتخاذ القرارات والتي تشمل الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية والثقافية التي تمكن المواطنين من الممارسة الحرة والمتساوية لتقرير المصير، فإنها كفعل حر يكون صاحبه غير واع بمدى حساسية إختياره، ستنتج نتائج عكسية تماما قد ترسم مصيرا كالجحيم،! وقد مثل الفيلسوف سقراط خوفه من سوء الإختيار في الممارسة الديمقراطية بإعطاء مثالا يقول فيه؛ “فلنتخيل أن شخص لديه سفينة سوف يبحر بها في محيط هائجة أمواجه وفي منطقة معروفة بإبتلاع السفن (كمنطقة “برمودا” التي نعرفها اليوم)، يقول سقراط لنتخيل أن صاحب السفينة يمتلك سمعا ضعيفا ونظرا كذلك ضعيف، إذن سوف يعمل هذا الشخص على إختيار ربان لسفينته يكون قادرا على تجاوز كل الأخطار التي قد تهدد سلامة الجميع وتعيق إستمرار الطريق نحو شواطئ الأمان.
الأمر المهم واللافت للإنتباه، هنا، هو أن صاحب السفينة، في هذا المثال، كلما كانت معرفته بالملاحة قليلة، مع الأخذ بالإعتبار نقص النظر والسمع، كلما كان إختياره في غير محله، تماما في ظل وجود عديد المتنافسين للظفر بمنصب القائد. وبالقياس على المثال السابق، وعندما نستبدل السفينة بالدولة وصاحب السفينة بالشعب والمتنافسين على قيادتها بالسياسيين، فهل يمكن القول أن الديمقراطية، بمعناها هذا وفي هكذا وضعية للشعب، قادرة على إيصال الدولة إلى بر الأمان؟! قطعا لا يمكننا تصور ذلك.. فيجب أن نكون، كأصحاب للبلاد، مؤهلين إلى حد ما كي نتمكن من إختيار من هو الأنسب لقيادتها.
بإستعمال هذا التشبيه، يقصد سقراط أن شيء مثل الإنتخاب يفترض بالمقام الأول وجود فكر ومستوى معين من الوعي، وأنه في ظل غياب القدرة السليمة على الإختيار فإن السفينة (أي الدولة ) سوف تغرق لا محالة.
فمشكلة الفعل الديمقراطي متمثلة أساسا في أن حقك في الإقتراع قد يجمعك أنت كمثقف وواع ومتعلم مع من هم أقل منك مستوى إدراكي بل حتى مع من لا يفهم كلمة وعي أو إدراك،! وإن ذلك سيكون معظلة بحق، لا سيما عندما تكون الأغلبية العظمى من الشعب تحت المستوى الإدراكي المطلوب الذي يمكنهم من إختيار الشخص الأنسب يوم الإقتراع. وهنا، يجب على كل مثقف و متزن أن يدعو صراحة لإقامة ما يمكن أن نسميه بالديمقراطية الممثلة التي تعني وجود أشخاص مؤهلين يمكنهم تمثيل مجموعة من ذويهم أو منطقتهم أو عوائلهم في إختيار الشخص أو الحزب الذي يرى أنه الأفضل خلال المرحلة القادمة. ويمكن، بالتالي، أن نجعل الناس تنتخب بشكل صحيح ومثالي يمكننا من تلافي عدة مشاكل ناتجة عن “سوء الإقتراع ” والذي يكون بدوره ناتجا عما يسمى ب”الديماغوجية” التي تعني تماما تلك الدولة “الديمقراطية” التي يحكمها حاكم يستغل جهل الناس لتقوية موقفه والتغطية على أفعاله بذريعة أنهم إنتخبوه. بمعنى أوضح تعني الديماغوجية أن الشعب بقدر ما كان “لا واعيا” ومغفلا بقدر ما كان سهل التحيل عليه وتحقيق رضاءه وتأييده، فالشعب، عموما، عندما يكون بهذه الصفات فإنه سوف يذهب خلف الشخص الخطأ في أغلب الحالات. وفي هذا الصدد، وبالعودة إلى المدرسة الإغريقية و المراجع الأولى للبحث في موضوع الديمقراطية، نجد مثالا نموذجيا يقدمه سقراط في كتاب “الجمهورية” لتفسير أهمية الإختيار الشعبي ومدى تأثير هامش الخطأ على مصير المجموعة مهما كان ضئيلا، حيث قال في مثاله أنه لو كان لدينا مكان واحد لإقامة إحدى من إثنتين مخبزا أم عيادة طبيب،! وتسائل عن أي إختيار سوف يختار الشعب! (طبعا في تمثيل لمرشحين لحملة إنتخابية )، وهنا، سوف يقدم الإثنين خطابه و برنامجه للناس ويحثهم على إختياره؛ حيث سيعمد الخباز إلى سلك طريقة الدمغجة، يقينا منه بأن عيادة الطبيب هي الأنفع من مخبزه للناس، وسيقول لهم أنه عند إختباره سوف يقدم لهم ما يأكلون عند جوعهم وإنه سوف يتحغهم بشتى وأشهى أنواع الحلويات! وسوف يسعى جاهدا إلى ضرب خصمه ولن يتوانى لوهلة في جعل الناس يكرهونه وذلك بتذكيرهم بمدى الألم الذي يتعرضون له، في عيادته، والخطر المميت في عملياته ومدى مرارة الدواء الذي سوف يعطيهم إياه!. طبعا، في مثل هكذا وضعية ديماغوجية، سيحاول الخباز إقناع العامة من الشعب (الذين يمثلون الأغلبية عادة)، وفي محاولة لتمرير خطابا عاطفيا مبطنا ليستميل فيهم غريزة الحاجة إلى الغذاء والأكل، أنه أنفع لهم من الطبيب، وذلك خلافا للواقع الذي يقول أن الخباز يمكن الإستغناء عنه وتعويضه، لكن الطبيب لا يمكن إيجاد البديل له بأي شكل من الأشكال. ولو نجح الخباز في الحصول على تأييد الناس وفاز بالمكان وإنهزم الطبيب، فتلك هي المعظلة والطامة العظمى، في ظل غياب الوعي الجيد وقيمة الإغراء الذي يقدمه الخباز، حسب تصور سقراط.. .
وبالتالي، يمكن القول أن الديمقراطية، في هذه الحالة، قد فشلت فى تحقيق المصلحة العامة، وهذا ما كان يقلق سقراط.. الديمقراطية في يد شعب غير واعي وبسيط التفكير ولا يفهم عواقب سوء الإختيار، ستؤدي حتما إلى دكتاتورية.. ورغم أن الديمقراطية بمثابة النظام العبقري للحفاظ على حقوق الإنسان، مهما كان أصله أو فصله أو توجهه، فإنها في غياب الجدية والقدرة على التفريق بين الأصلح والأقبح فهي ستصبح معظلة وستنتج حاكما مستبدا يمكنه أن يضحك على ذقون الناس ببعض الكلمات الغير منطقية والتي لا يمكن للعقل أن يقبلها. وإنه، في هكذا حالات، لن يصل الشعب أبدا إلى أرقى درجات حكم الشعب الديمقراطي بوصفه”مجموعة من الفرص المتاحة للناس للسيطرة على قادتهم والإطاحة بهم دون الحاجة إلى ثورة.” وفق تصور “كارل بوبر”.
إضافة إلى مشكلة غياب الوعي، تطفو على السطح مشكلة أخرى ذات بعد إجتماعي نفسي وهي مشكلة الصراع الديني والعرقي والقبلي، فالديمقراطية بشكلها الليبرالي الحداثي، لن تستقيم و وجود مثل هكذا نوع من الصراع بين مواطنيها حيث أنها تستوجب تحقق حس جماعي بقيم مشتركة بين أفراد المجموعة الوطنية، وتفترض أن يتعزز هذا الحس الجماعي بضرورة تكوين وحدة شعبية واحدة على أساس الوطن للجميع، غير أن ذلك غير ممكن في عدة دول مثل فيها الخلاف الثقافي والإيديولوجي مرتعا للعبة السياسية التي يستغل فيها المرشحين عنصر الإنتماء ويقوضونه كمبدأ لإيهام ناخبيهم بالدفاع عن المذهب والعقيدة، و ذلك لجعله كعنصر تجييش وجمهرة لأجل الوصول إلى السلطة، ويظهر ذالك جليا في بعض الدول التي يمكن أن تمثل مثالا حيا على إستحالة بلورة الممارسة الديمقراطية فيها كلبنان، ذلك البلد الذي تحكمه الخلافات السياسية الناتجة عن خلافات ثقافية دينية ومذهبية منذ وقت بعيد، حيث أسفرت محاولة إرساء نظام حكم ديمقراطي من النوع الحداثي الليبرالي عن حرب أهلية، بعد رفض طائفة ما أن يحكمها شخص من غير طائفتها، حتى لو جاء به صندوق الإنتخاب،! وذهب ضحيتها عدة شخصيات بارزة أنتخبت لحكم ذلك البلد الفسيفسائي الصغير. فمن خلال هذا المثال وأمثلة عديدة أخرى، يمكن القول بأن الديمقراطية قد تنتج شيئين: إما أنها سوف تكرس المشاركة الجماهيرية في إتخاذ القرار الوطني أو أنها ستتيح لمن تم إختياره أن يستعمل العملية الديمقراطية لضرب خصومه وتصفية الحسابات خصوصا عند فترة ما بعد الحكم الدكتاتوري أو فترة ما بعد الإنقلاب. بل حتى أن بعض من مشاكل الممارسة الديمقراطية وخاصة تغير “السلوك الإنتخابي”، في البلدان التي لها تاريخ طويل من الحكم الديمقراطي، أفرزتها نقمة المجتمعات المحلية عل على أفواج المهاجرين وذلك بإنتخاب الأشخاص الأكثر عدائية للأعراق الأخرى أو ما يسمى باليمين المتطرف الذي يشهد بروزا باهتا، في أفضل الدول ديمقراطية، في العالم، كفرنسا وألمانيا وأمريكا.. فالديمقراطية هي التي أفرزت حكم رجل معروف بعدائه لفئة من المجتمع الأمريكي ك”دولاند ترامب”، والديمقراطية أيضا هي من جعلت هتلر يقتل الملايين حول العالم، كذلك هي من أوصلت من لا مستوى علمي لهم للمجالس النيابية وجعلت من عديد الحمقى يصرخون بجهلهم تحت قباب البرلمانات!!.