آخر الأخبار
الرئيسية > الإفتتاحية > الرئيس القادم بين شرط الجدارة والقدرة على الزعامة: بقلم الدكتور محمد بن حموده
الرئيس القادم بين شرط الجدارة والقدرة على الزعامة: بقلم الدكتور محمد بن حموده

الرئيس القادم بين شرط الجدارة والقدرة على الزعامة: بقلم الدكتور محمد بن حموده

منذ ان أزاح بن علي بورقيبة عن الحكم قام بنقل مجال صلاحية الخطة الرئاسية من مجال الزعامة إلى مجال المهارة والجدارة. والواقع أن وطأة زعامة بورقيبة جعلت هذا النقل يبدو كمكسب غير قابل للتقويم (مجرد استبدال خطابات بورقيبة السيالة بخطاب مكتوب يقرأه الرئيس ويغادر المنبر كان نوعا من التخفيض لمنسوب الإكراه الذي يتحمله المواطن كلما توجه الرئيس للشعب).

هكذا –وبرغم بعد بن علي عن المعرفة بعد الظلمة عن النور- فإنه هو من أدمج خطة رئاسة الجمهورية ضمن منوال مجتمع المعرفة. وعلى هذا الأساس كان بن علي يواظب كل صباح على الاطلاع على التقارير الأمنية وذلك كي يستكمل معرفته بحقيقة وضع مؤسسات الدولة بمعرفة ما يموج في أحشاء المجتمع. وقد كان كل خطاب يدلي به يمثل منبعا جديدا لقرارات وإجراءات جديدة يضمن الرئيس بواسطتها مسكه بزمام المبادرة إلى أن تحين مناسبة وطنية جديدة فيتوجه بخطاب جديد يتم توشيحه بقرارات جديدة.

كان أقصى ما يريده المخلوع هو أن يكون رئيسا وكان لا يرى في هذه الخطة إلا امتيازاتها، خاصة وأنه ابن الجهاز وقد وصل للرئاسة بفضل تموقعه ضمن الجهاز. ولهذا فلم يخطر على باله أن يواكب التحول العالمي لشرط الأداء السياسي. إذ في الأثناء أصبح السياسي فاقدا لامتيازه المعرفي بعد أن ألغته بشكل يكاد يكون كاملا الوسائط السمعية البصرية (خاصة التلفزيون) مما حتم على السياسي أن يعيد بناء تفوقه على أساس آخر غير المعرفة المتحولة إلى معلومة وإلا تورط في الإفلاس الرمزي (تحويل القيم التشاركية إلى وظائف صرفة). ومنه أهمية صياغة خطاب ينجح في تحويل السيل الجارف من المعلومات إلى نسق فكري قابل للترجمة إلى مقترح شامل وناجز وبالتالي ينجح في تكريس زعامة القائد السياسي على نحو يتلاءم مع جوهر القيادة الرمزية والتي تفترض في الفاعل الرمزي أن يكون صانع الوحدة، ومثل هذه المهمة تتجاوز الاعتبارات التقنية أو الصورية الصرفة؛ ولذلك احتاجت للزعامة حتى يتم الاضطلاع بها، فصناعة الوحدة تتطلب مضاعفة الصلاحية المعرفية بالقدرة على الاستشراف.

وقديما لم تكن ديمقراطية اليونان تعتبر الانتخاب أحد آلياتها لأن الأخير يقوم على الزعامة وبالتالي على القدرة على وضع الجزئي في الكلي وهو ما يتطلب من الزعيم أن يعبر مجال السياسة ليلامس جوهر السياسي؛ بينما تتلاءم الديمقراطية بشكل تام مع الاقتراع tirage au sort (أغلب الوظائف كانت يتم على أيام اليونان توزيعها على أساس الاقتراع). ومعلوم أن نشأة العامل السياسي (le politique) ارتبطت تاريخيا بخيار يصبح بمقتضاه بإمكان مجموعة من الناس أن تنظر إلى تجمّعها كشيء مشترك يهمّ الجميع ويساهم فيه الكل ( res-publica).

وهكذا تتعدد السياسات ولكنها تلتقي حول المبدأ السياسي. وتكون السياسة، تبعا لذلك، غير سياسوية وفي تصالح مع العامل السياسي عندما تواظب على العمل من أجل ترسيخ عناصر مناخ اجتماعي ينجح في زيادة إحساس المواطنين بجماعيتهم. ويوم تحركت كل شرائح المجتمع في حركة جماعية متلاحمة أدرك ابن علي ما لم يكن يستطيع أن يسلّم به من ضرورة صياغة مقترح تركيبي يأخذ في اعتباره الطابع المركب للمجتمع التونسي (مثله مثل باقي المجتمعات)، ولم تنقذه صيحته الشهيرة: “أنا فهمتكم” من مصيره كمخلوع سيء الذكر.

مبدئيا، حرص غالبية المرشحين الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها على التأكيد على وعيهم بأن رئيس الجمهورية هو الضامن في الدستور يحدو على القول بوعيهم بالفارق بين مسئولية الزعامة السياسية وبين كفاءة الخبير في الشأن العام. ولكن الغالبية تتحدث عن اضطلاع رئيس الجمهورية بهذه الضمانة على نحو يوحي بأنه يقوم بذلك بشكل آلي. والحال، أنه منذ نقاشات المجلس التأسيسي تكرر القول أن دستور 1959 كان بإمكانه أن يرعى تجربة ديمقراطية، وهو ما لم يحصل في عهد رئيسين للجمهورية. بالنسبة لبورقيبة فإنه يمكن التذكير من ناحية،  بأن لزعامته السياسية الفضل في توفر الصيغة التي جاء عليها الدستور في حينه على الجودة المنوه بها، ولكن، من ناحية أخرى، فإن تحول بورقيبة إلى حاكم مهوس بالتمسك بالسلطة حول زعامته السياسية إلى دكتاتورية تزرع الريبة في كل أشكال الزعامة، وذلك بحكم توظيفها لكل الصيغ الشكلانية من أجل توظيف النص ضد نفسه.

أما بالنسبة للمخلوع فإنه منذ المنطلق لم يكن يطرح على نفسه فكرة الزعامة ولم يكن يرغب إلا في السلطة. وفي الحالتين انتفى جوهر السياسي من حيث هو خيط رفيع يسمح دائما وعلى نحو مرن بتلمس الرابط بين ما هو مرحلي وما هو استراتيجي، بين ما هو خاص بشريحة اجتماعية ما وبين المصلحة الوطنية العامة ,, الخ. إذ قوام الزعامة القدرة على عدم الارتباك بسبب تنوع مجالات أخذ القرار من ناحية، ووحدة جوهر السياسي من ناحية أخرى. وفي وقت تتطلب الجدارة التوفر على كفاءات مهارية (أهمها القدرة على تطويع العلامات) فإن الزعامة هي كفاءة علائقية (relationnelle) تقتضي القدرة على خلق بيئة مناسبة لحركة جماعية ملائمة لطبيعة المشروع الذي يتمحور حول المقترحات الرئاسية. وعلى اعتبار أنه يُفترض في مبدأ الجماعية أن يكون عامل تألق الكفاءة الفردية والشخصية فإن من علامات الزعيم  قدرته على اتخاذ قرارات ذات توجه يساري وكذلك يميني منوعا بذلك أساليب وضع الكلّي في الشخصي وذلك على نحو يسمح بتحوير ‘الإيتوس السياسي’.

خلال صياغة الدستور كان النواب الديمقراطيون يعلمون أنه لا يمكن ضمان الحرية بمجرد الاعتماد على إجراءات صورية، وذلك مهما تعددت ومهما تنوعت تلك الاجراءات؛ ولذلك تعمدوا ربط الحرية بضرورة الحفاظ على جوهر الحرية. وأعتقد شخصيا أن هذا الربط الذي عقده النواب التأسيسيين يمثل أحد أهم اختلافات دستور الثورة عن دستور 1959 ، بل هو لا يخلو من صلة بالفرق بين المقاربة المعاصرة والمقاربة الحداثية في كل المجالات. ولأن الترويكا مثلت نكسة حتى بالنسبة للدكتاتورية بحكم معاداتها للدولة وإطلاقها العنان للسلفيين ليعودوا بالبلاد إلى منطق الحسبة ومنطق الراعي والرعية وليحاولوا أخونة الدولة فقد كان سياق اعتصام الرحيل محتاجا ليبعث من جديد مقولة “جوهر السياسي”. وفعلا، وحدها رهافة الجوهر الحسي للسياسي هي التي كانت قادرة على التفاعل بشكل ملائم مع بارادوكس الانتظارية الشعبية الراهنة من الزعامة السياسية: إذ من ناحية انتنهت فكرة الزعامة ذات المنوال الديغولي أو البورقيبي، ومع ذلك لم تتعطل مطالبة الزعيم المعاصر بالالتزام بضمان دور الدولة في تكريس الحقوق الأساسية والدفاع عنها ضد الشركات العالمية التي تحملها مسئولية كبح النمو الاقتصادي (مثلا، توشك شركة أمازون -من فرط قدرتها على توصيل الكتب إلى كل البيوت في العالم- على أن تقتضي على مؤسسة عريقة اسمها المكتبة، وبذلك تقضي على نسيج اجتماعي برمته لتحوله إلى عملية ربحية صرفة باسم حرية المنافسة).

في مثل هذا السياق تدخل السبسي ليتعهد بتحيين زعامة بورقيبة: زعامة منقوصة مقولة “المجاهد الأكبر” التي فات عليها الأجل منذ أيام المخلوع، وفي سياق نظام برلماني سعى خلاله النواب الديمقراطيون ضمن المجلس التأسيسي بالدفع نحو زيادة صلاحيات رئيس الدولة بالقياس لصلاحيات رئيس الحكومة. وفعلا، يُحسب للسبسي أنه التقط اللحظة، ومع ذلك فإنه لا بد من الاستدراك بالقول بأن زعامة السبسي لم تستطع أن تتلقف خصوصية السياق الثوري بشكل كامل؛ فهو لم يربط بشكل صريح وعالي الصوت بين هيبة الدولة التي نادى بها وبين المسألة الاجتماعية التي من أجلها عمّد الثوار ثورتهم باسم “ثورة الكرامة”، إذ لا كرامة بدون شروط إمكانها.

وفعلا، لم يكن السبسي قادرا على استيعاب مدلول الأصوات التي نادت بأولوية المساواة على العدالة. ولم يكن مدركا كزعيم (لا كمواطن) لما طرأ من تحولات على وضع الطبقة الوسطى؛ ذلك أن التحولات العالمية جعلتها غير قادرة على الاحساس بأنها تستوفي مقومات الشرط الطبقي الذي طالما حددها بقربها من الطبقة التي تتموضع فوقها ومن الطبقة التي تتمركز تحتها.

اليوم أصبحت هذه الطبقة مهددة باستمرار بالتدحرج إلى تحت وفي كل الأحوال أصبحت المسافة التي تفصلها عن الطبقة التي فوقها غير قابلة للردم. ولهذا تعاني هذه الطبقة من وعيها بحتمية تدهور تصنيفها (son déclassement) وهو ما يجعلها تعيش توترا موصولا . من ناحية أخرى، فقد تحرر الأغنياء من ضغط الانتماء للإقليم (territoire) فلا هم يعلمون أبناءهم في مدارس الوطن ولا هم يشاركونه مشاغله اليومية … وتظل الأجندة الأساسية لهذه الطبقة هي صناعة الربح، والتي تُعتبر اليوم متجسدة في النشاط العابر للقوميات والأشكال التنظيمية المتشابكة. فالتمحور حول الربح ليس دافعا وطنيا. وتبعا لهذه المعطيات، أصبحت جدلية الطبقة والدولة أكثر تركيبا بحكم تنامي منزلة الاقتصاد العابر للوطنيات وبحكم تنامي فاعلية المنظمات غير الحكومية. ذلك أن ظهور الشركات ‘البازغة’ (émergente) صاحبه ظهور طبقة دولية التخصص، ويمكن وسمها بـ’الطبقة البازغة’. إن هذه الطبقة التي تساير التوجه العالمي لتحول جزء من الطبقة الوسطى إلى طبقة فكرية هي بصدد خلق بيئة مهوسة بالربح يصل الأمر ضمنها إلى خلق امتدادات لها تقوم مقام الحاضنة الشعبية لنشاط يقوم على المضاربة المستعدة للتحول إلى عصيان مدني (عديدة هي المرات التي اضطر أعوان الجمارك لاستعمال السلاح لكي يدافعوا عن سلامتهم الجسدية خلال ممارسة عملهم).

في المقابل، غاب عن المشهد العام للبلاد زخم الزعامات التي تطرح نفسها كنماذج للاستلهام في سياق ثورة لم تنجح في دعم تحولها السياسي بتحول ثقافي يقطع الطريق على كل مظاهر النكوص. لنتذكر حراك السود في أمريكا، فهو لم يتحول إلى ثورة ثقافية إلا بفضل الكمّ الهائل من ‘الزعامات’ التي عرفتها الطبقة في كل الميادين والتي بفضلها أصبح الأمل في المستقبل خبرة عيانية وحقيقة ملموسة. شخصيا، أشك في وجود أي علاج تام الصلاحية إلا في شكل ‘جمعي’ (يأخذ بنية الديني من دون مضامينه) يؤمن به الناس بصدق وحماس لدرجة يطغى فيها على حياة الغريزة. وامتياز هذا المقترح ‘الجمعي’ قدرته على تلبس صيغة ‘المشروع’ المتمحور حول تصور للجماعية.

ذلك ان الفرد هو أساس كل المشاريع التحررية ولكنه لا يمكن أن يكون غايتها لأنه لا يمكن للفرد أن يكون غاية وجوده ونهايته. ومثل هذا المشروع لا يعبر لعالم الناس إلا من خلال نماذج حية، من خلال ‘طلائع’ تعطيه للمرئية وللتجريب الجماعي. من دون ذلك سيواصل المجتمع مفككا (خير مثال يعبّر عنه هو وضع قيادة السيارات في بلدنا) وستواصل التلفزة الادعاء بأنها الواسطة الوحيدة التي تحول علاقة التجاور المكاني juxtaposition بين المواطنين إلى حالة تواشج كياني (تلافي الضعف الحالي لحس المسؤولية نحو الغير). بإمكان السياسة ومن واجبها إقصاء الأسباب العمومية للتعاسة ومن واجبها التأثير على الجوانب الاجتماعية والحضارية التي يمكنها خلق جودة الحياة (عيش سعيد وليس رغيد). ولأن نظامنا السياسي هو نظام برأسين فإن ذلك من شأنه أن يسمح للرئيس بفسحة إضافية من التمحور حول المسألة المعيارية وأن يكون في فريقة الحزبي أو الائتلافي حزمة من الكفاءات التي ستتصدى – في نطاق توزيع للعمل تختار معاييره- لبقية المهام، ومن بينها رئاسة الحكومة.

المصدر:جريدة الشعب