آخر الأخبار
الرئيسية > الإفتتاحية > خطة الرئاسة ورهان إصلاح الديمقراطية-بقلم الدكتور محمد بن حموده
خطة الرئاسة ورهان إصلاح الديمقراطية-بقلم الدكتور محمد بن حموده

خطة الرئاسة ورهان إصلاح الديمقراطية-بقلم الدكتور محمد بن حموده

أصيب المجتمع المدني بالذهول عندما واكب أسلوب تعامل النواب مع مسألة التزكيات …ومن الصادم في هذا الخصوص أن يرفض النواب الذين سبق لهم أن سنوا قانون الحق في النفاذ للمعلومة إفشاء قائمة التزكية وأن يعملوا على ضمان سرية التزكيات …وهو ما يقوم دليلا إضافيا على أن إيمانهم بمرجعية الرأي العام ضعيف جدا وأن ولاءاتهم هي على العموم ذات طابع مصلحي بحت … وهكذا نجد أنفسنا إما أمام بعض النواب الذين تعلقت بهم شبهة تزكية أكثر من مترشح أو أمام مترشحين للرئاسية دلسوا تزكية النواب لهم ..  كما تفاجأ المجتمع المدني بأسلوب تداول التزكيات على أساس يتناقض تماما مع التباينات السياسية مما يوحي بأن السياحة الحزبية وصلت لمرحلة ‘السياحة اللامادية’. وفعلا، ليس من السهل على المواطن القبول بظاهرة ‘السياحة الحزبية’ من دون أن تصاب الأحزاب والسياسة في نظره بخفض فادح؛ ولكن ما حصل هو أنه بدل أن تكون الانتخابات مناسبة إما للعمل من أجل مزيد تسطير خطوط الفصل بين الأحزاب أو فرصة لعقد التحالفات بينها، فقد كانت التزكيات وسيلة إضافية لتمييع الحدود بين تلك الأحزاب.

إذ بمناسبة الانتخابات الرئاسية وصلت ‘السياحة الحزبية’ المذكورة إلى منطقة قادرة على أن تصيب الوجاهة الرمزية للمواجهة السياسية في مقتل. وبالرغم من استهجاني شخصيا لتزكية رئيسة قائمة حزبية لترشح رئيس حزبها السابق لرئاسة الجمهورية فإن من أكثر الأمثلة التي أزعجتني -في هذا الباب- تزكية نواب النهضة للمترشح ‘إلياس الفخفاخ’. ذلك أن الاعتباط هو أكثر ما يزعج، ونصيب هذه التزكية من الاعتباط غير قليل. لقائل أن يقول إنها امتداد لحلف الترويكا الذي استهلوا به عهد حكمهم ‘الثوري’، ولكن يُفترض في مثل هذا الجواب أنه يغفل حقيقة هامة، وهي أن حلف التكتل والنهضة آنذاك لم يكن يشمل التصويت على الدستور، وعلى هذا الأساس غالبا ما كان نواب التكتل ينتصرون للنواب الديمقراطيين خلال النقاشات التي واكبت كتابة الدستور. فهل ارتفع هذا الاختلاف الرمزي وما يترتب عنه من تباينات ذات صلة بالتموقع السياسي؟ هل سيتمحور برنامج الفخفاخ الرئاسي حول ارتفاع التباين بين ‘أمة الدين’ و ‘أمة السياسة’؟

ملابسات الوضع الحالي للجسم السياسي جعلتني أقف مجددا عند ذلك التمييز الذي صاغه يوما ما الأديب توفيق الحكيم ليدفع عن نفسه الانتماء للديمقراطية. كتب المذكور قائلا: “هل أنا كاتب ديمقراطي؟ … الحقيقة أني لست ديمقراطيا بالمعنى السياسي لهذه الكلمة … إني لا أستطيع أن أنتمي إلى الديمقراطية باعتبارها نظاما سياسيا أو حزبيا؛ لأن الحرية الفكرية والروحية –التي هي مسوح الفكر الحر الحقيقي- تمنع من الانخراط في سلك حزب أو نظام قد يضطر إلى الدفاع عنه بالحق وبالباطل … إني لا أستطيع أن أدافع مطلقا عما أعتقد أنه الباطل … إن الذي أومن به إذن، وأدافع عنه دائما هو الديموقراطية باعتبارها مبدأ إنسانيا، لا نظاما سياسيا … الديمقراطية الموجودة في قلب كل إنسان يقدر معنى ‘حقوق الإنسان’ ومعنى ‘الحرية’ و’الكرامة الإنسانية'” (‘دفاع القوى الروحية والفكرية’، ضمن كتاب ‘شجرة الحكم السياسي في مصر 1919-1979) هكذا يربط توفيق الحكيم الديمقراطية بالقدرة على الدفاع عن الباطل وكأنه الحق؛ فما علاقة الديمقراطية بالباطل؟

من مضاعفات ضمور علاقة التشابك بين الجهاز السياسي ومؤسسات المجتمع المدني اتجاه الديمقراطية السياسية لتغليب منطق القوة pouvoir على منطق السلطة autorité. هكذا يتم اختزال المكسب الحضاري الموالي لاستبدال الصراع بالقوة بالصراع بواسطة القوانين إلى صلاحية إجرائية حاصل غنمها تجنب الوقوع في ‘الخلل الشكلي’ (vice de forme)، وهو ما من شأنه أن يكرس فكرة غياب المسؤولية الصميمة وما من شأنه كذلك أن يحوّل الديمقراطية –في آخر التحليل- إلى ‘تيسير لفظي’ (facilité verbale).

وفي مثل هذا السياق العام يصبح الاصلاح الجذري الوحيد الممكن هو القضاء على الديمقراطية، وهي المهمة التي وصفها توفيق الحكيم (نعود إليه تجنبا للاستطراد على مستوى النماذج) في ما يتعلق بعلاقة الضباط الأحرار بالديمقراطية في مصر. إذ يذكر أنه بعد حصول الضباط الأحرار من الملك على وثيقة النزول عن العرش اتفقوا مع زعيم حزب الأغلبية ‘النحاس باشا’ على إجراء انتخابات جديدة. “ولكن ‘سليمان حافظ’ وهو أيضا من أعداء الوفد ألقى في نفوسهم الخوف في ذلك. وقال لهم إن الانتخابات الحرة ستسفر حتما عن برلمان وفدي ومن أدراكم أن هذا البرلمان سيؤيدكم. ثم أشار عليهم بإهمال هذا الدستور، وأفتى لهم بأن من حقهم إصدار القوانين دون برلمان، لأنهم قاموا بثورة، والثورة معناها إلغاء ما قبلها من أوضاع … وهكذا أُطلق على حركة 23 يولية اسم ‘الثورة’ بعد أن كان اسمها ‘الحركة’ ! ولحبنا لها سُميت ‘الحركة المباركة’. وقام بعض أساتذة الجامعة يؤكدون وصف ‘الثورة’ ويؤدون حقها المطلق في إصدار القوانين ..” (‘الثورة المباركة’، ضمن كتاب ‘شجرة الحكم السياسي في مصر 1919-1979) الاشكال هو أن منوال الزعامة العربية لم يستطع أن يتلاءم مع نضج مجتمعاتها ولهذا ظلت تلك المجتمعات تراوح بين موقف متمسك بالشكل السلطوي للزعامة (الصافي السعيد –المرشح للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها- دعا إلى تعطيل الدستور (كذا))- أو موقف الرافض لها بشكل ارتكاسي (réactif). في المقابل، بالإمكان التأريخ لتطور الديمقراطية في البلدان التي التزمت بها نظاما سياسيا من خلال التأريخ لتطور فكرة الزعامة. ففي فرنسا يمكن اعتبار تأسيس ديغول للجمهورية الخامسة كبديل عن التسيب الذي رافق النظام البرلماني الذي ميز الجمهورية الرابعة حركة تصحيحية لا تخلو من أوجه شبه بحركة الضباط الأحرار أو بحكومة بورقيبة الموالية للاستقلال؛ فجميعها تحركات فوقية أكثر منها تحركات منبجسة من أسفل نحو الفوق. إذ جميعهم انتظم في علاقة تعارض مع الجسم السياسي المدني ولكن مع فارق مهم: بورقيبة وعبد الناصر منعا نشأته من الأصل بينما منعه ديغول من التحول إلى مرحلة أرقى.

لكن تحركات ماي 68 في فرنسا، والتي عرفت تحالف الطلبة والعمال، كانت في أصل الثورة الثقافية التي لا يزال الحاضر الفرنسي يستمد منها عناصره المحورية.  وعندما وقف ‘فرنسوا هولاند’ أمام أنصاره المجتمعين بساحة الباستيل لتهنئته بفوز الاشتراكيين برئاسة الجمهورية بعد 31 سنة بالتمام والكمال من فوز ميتران بها  : 6 ماي 1981/ 6 ماي 2012، فإن هذه المطابقة التاريخية  يلفها فارق رئيسي: ميتران لم يكلف نفسه عناء التحول لساحة الباستيل واكتفى بكلمة متلفزة دامت ثلاثة دقائق؛ وهو ما يعني أن نسق الديمقراطية يتجه نحو المطالبة بمزيد من الجمهرة (massification) التي من شأنها تجويد صلاحية منوال الجماعية بحيث يقترب أكثر فأكثر نحو خيار كونية الحق في المحترمية. لهذا كان رفع ‘ماكرون’ لشعار الانفتاح على الكفاءات من خارج الجسم السياسي كافيا ليربح الانتخابات الرئاسية بالرغم من حداثة حزبه. ولو قمنا بإطلالة صغيرة من هذا المنظور على تاريخ الزعامة السياسية في أمريكا فإنه لا بد من أن نتوقف عند زعامة كينيدي الذي حاول التصدي لمسألة العنصرية والتي كانت سببا في اغتياله، ولكن نائبه ‘لندن جونسون’ استبسل في الدفاع عن مشروعه من أجل صياغة قانون المساواة المدنية والذي وفر خلفية قانونية ومؤسساتية نفيسة لتحركات السود في أمريكا لاحقا.

تجربة البث التلفزي المباشر لنقاشات المجلس التأسيسي رشحت البلاد لتكون ورشة كبرى من أجل تجريب صيغ في الجماعية تعطي للثورة المجتمع الذي يليق بها: عنينا بالحديث جمهرة السياسي؛ ولكن ضعف تمثيلية الأحزاب من ناحية، واعتمادها، من ناحية أخرى، لهرمية عمودية تتنافى والديمقراطية الحزبية، جعل سقف الجمهرة المذكورة بعيد المنال في الأجل المنظور. ومنه التعويل على مرشح للرئاسية يكون قادرا على مصارحة الشعب وعلى تشكيل فريق يعالج الديمقراطية على نحو لا يهدرها ولكن يصوبها ويجعلها، بالفعل، رافدا أساسيا للجهود الرامية لضمان كونية الحق في المحترمية.