آخر الأخبار
الرئيسية > الإفتتاحية > الافتتاحية: تونس يلزمها رئيس بقلم الدكتور محمد بن حموده
الافتتاحية: تونس يلزمها رئيس بقلم الدكتور محمد بن حموده

الافتتاحية: تونس يلزمها رئيس بقلم الدكتور محمد بن حموده

في تدوينة فيسبوكية اعتبر الأستاذ محمد العجمي أن استعادة ناجي جلول لشعار ميتران – “القوة الهادئة”- واعتماده شعارا لحملته لا يعدو أن يكون نوعا من الاسقاط الذي لا يراعي الفروق بين السياقات. وعلى رأيه فإن اعتماد مبدأ المناسبة بين السياقات يحفز في المقابل علي اختيار، مثلا، شعار فاليري جيسكار ديستان القائل آنذاك: “Il faut un président pour la France”. وفي اعتقادي، لم يجانب الأستاذ محمد العجمي الصواب نظرا لأن الشعار الأخير يستدعي بشكل واضح إعادة طرحه في تونس الحالية. إذ بات واضحا أن سلامة الانتقال الديمقراطي لا يكفي معها بناء المؤسسات –بالرغم من اهميته الأكيدة- وإنما لا بد من دعمها رمزيا؛ ذلك أن من طبيعة الرمزي صنع الوحدة. وهو أمر قد حجه التمحور حول المسألة الاقتصادية بشكل تتعاظم خطورته يوما بعد يوم. فمثلا، من الجيد أن يطلق المعهد العربي لرؤساء المؤسسات منصة إلكترونية إسمها ‘إسأل الرئيس’، الهدف منها حصر الأسئلة في الدبلوماسية الاقتصادية وفي مبادرات الرئيس التشريعية ذات الصلة بالاقتصاد وسبر ملامح النفوذ الاقتصادي للرئيس. والحال، أن المحاور الاقتصادية الكبرى هي بيد رئيس الحكومة وليست بيد رئيس الجمهورية.  مع ذلك فإن ثانوية الدور الرئاسي في السجل الاقتصادي لا تعني البتة ثانوية الدور الرئاسي بالنسبة للبلاد. إذ لا بد لكي تنجح مؤسسات الانتقال الديمقراطي في ضمان سلاسة العيش المشترك من التمحور حول شخص تنجح رئاسته في أن تكون تكريسا متعيّنا للملامح والخيارات التي ستعطي للوحدة الوطنية مضمونها الشمولي. لنتذكر الدور التأسيسي الذي قام به ‘نلسن ماندلا’ في بناء الوحدة الوطنية لبلاده على أنقاض ميز عنصري كريه؛ ولنذكر كذلك كيف أنه وجد، في هذا الصدد، لدى لعبة ‘الرقبي’ من العون ما لم يجده لدى أي مشروع اقتصادي ناجح؛ بل إن النجاح الذي تتيحه الرياضة وغيرها من النشاطات الثقافية تسمح بتجويد الفاعلية الاقتصادية فتصبح أكثر اندماجا (مطلوب اليوم من الاقتصاد القدرة على تحويل العلاقات relations إلى روابط liens، ولأن اقتصادنا غير مندمج فإنه تعجز، مثلا، وكالات الأسفار عندنا على تنظيم رحلات للسياح لأنه يصعب عليها أن توفر لهم سياقات بنفس جودة بيئة النزل … فانتشار الفضلات وفوضوية العمران وتلوث البيئة لا تكفي معها الاستثمارات المالية …).

لو عدت بالذاكرة للشهور الأولى للثورة المجيدة لاستحضرت كيف كانت فرنسا آنذاك منخرطة في حملة رئاسية تمحور الصراع خلالها بين الرئيس المتخلي –ساركوزي- وبين مرشح الحزب الاشتراكي ‘فرانسوا هولاند’. وأذكرهما بشكل خاص لأن عديد الكتابات التي واكبت الحملات الانتخابية وقتها -وحاولت تصنيف منوال ‘الوحدة الوطنية’ التي يقترحها كل منهما- رأت في التباين بينها استمرارا للخلاف الفلسفي-السياسي بين ‘هوبز’ و’روسو’. وكلنا نعلم أن ‘هوبز’ يعتبر أن الإنسان ذئب للإنسان، وبالتالي فإنه لا حل للتعارض الأصلي والجذري بين المصالح إلا بضمان وجود دولة حازمة يرأسها شخص يتسم بالصرامة إزاء كل ما يهدد أمن ومصالح الأفراد. في المقابل، كان روسو يصادر على طيبة الإنسان الأصلية ولهذا كان يكفي، في نظره، أن يتعاقد الناس في ما بينهم على احترام القانون لينشأ عقد اجتماعي يكون قادرا على الجمع بين مهمتي ضمان النظام وبناء الروابط بين المواطنين بشكل ينجح في تقليص حمّى المنافسة بين الأفراد. ولهذا رأى المحللون السياسيون أن ‘ساركوزي’ كان يواصل نهج ‘هوبز’ عندما وضع في واجهة برنامجه مسألة الأمن وعندما كان يبني العيش المشترك على فكرة الأمان الشخصي وتصور المجتمع كمجموعة من الأفراد، ولذلك برع خلال حملته في وضع مصطلحات عديدة بهدف استيعاب مخاوف عديدة. وطبعا مثل هذا التصور للعيش المشترك لا يمكن أن لا يتلاءم مع الليبرالية في كل صيغها: سواء الليبرالية التي نظّر لها ‘هوبز’ أو الليبرالية الحالية والموسومة بهيمنة الدوائر المالية. في المقابل، كان ‘هولاند’ يركز حملته على مقاومة سلطة الدوائر المالية ومن أجل هذا الهدف عمل على اعتماد مرجعية الثورة الفرنسية من أجل دعم كل صيغ التضامن والتشاركية. ولهذا غلب على خطاب المرشح ‘هولاند’ حديث عن طيبة الإنسان وعن محبة الجنس البشري إلى درجة السذاجة أحينا. ويحضرني في هذا السياق وصف Michel Eltchanonoff  له بالقول: : «Avec son débit hésitant, il paraît tranquille et bonhomme. » . وقد تضمن برنامجه الانتخابي آنذاك إجراءات من قبيل رفع الضريبة على الدخل الذي يتجاوز المليون أورو سنويا إلى حدود خمسة وسبعون بالمائة، كما رفع الأداء إلى حدود أربعة وأربعين في المائة على الدخل السنوي الذي يتجاوز مقدار المائة وخمسين ألف أورو.. الخ.

مفاد القول أن جوهر السياسي هو ضمان الوحدة واختيار منوالها الذي يناسب الحقبة والأطراف المعنية بها؛ والوحدة الحقيقية هي التي تتجاوز المصالح المباشرة وترقى إلى مستوى المصالح المركزية، أي مستوى جودة الحياة معطوفة على وجدان جمعي ملائم (ومعلوم أن الوجدان هو الإنسان في كليته عندما يتعلق الأمر بالإنسان وبالكيان الجمعي في كليته عندما يتعلق الأمر بالكيانات الجمعية). وعلى هذا الأساس تتواتر حاجة المجتمعات لفعلة رمزيين وذلك لكي يستحضروا الشمولي عندما تغرق الجهات ذات الصلاحيات العملية المباشرة في المصالح الضيقة. واليوم، يحسن أن نتفق أن من بين مشاكلنا الاقتصادية الكبرى غياب فكرة النمو المندمج، وبالتالي نجد أن كل متدخل إداري أو خدمي أو سياسي لا يراعي الاعتبارات العامة في كل ما يقوم به من تدخلات، وذلك لأنه إما تعود على التخصص في مهمة بعينها، أو لأن بقية المهمة من مشمولات جهة أخرى، أو ببساطة لأنه لا مصلحة له في متابعة الأمر خارج مجال تدخله المباشر. لهذا، في عصر عمومية التفاعلية، وفي عصر استبدال الحساب الرياضي بالخوارزمات التي تعالج الأمور المتعددة بشكل متوازي، لا زال المتدخل الإداري أو الاقتصادي التونسيان يتصرفان بشكل أحادي؛ ولهذا لم نعرف –للأسف- من التفاعلية إلا الأخطاء التفاعلية (والتي هي أخطر بكثير من الأخطاء الفردية).

على الرئيس الجديد –بوصفه الوحيد من بين السلطات الثلاث الذي ينتخبه الشعب بشكل مباشر- أن يكون في وضع تراشح تام مع سياق البلاد العام. ولعل من فوائد تقديم الانتخابات الرئاسية على الانتخابات التشريعية ورود إمكانية الاستفادة من دور الرئيس المنتخب في مراقبة حياد الحكومة التي ستكون لأول مرة بعد الثورة منافسا من بين المنافسين. وشخصيا أنتظر من الرئيس المنتخب أن يحافظ على حيوية تلك الاضافة التي وضعها الربيع التونسي على ذمة الربيع العربي والتي يحلو لي أن أستعير عبارات “أيمن عويضة” –وهو فلسطيني مقيم بتونس منذ سبع سنوات- لتوصيفها. كتب المذكور – في العدد الأخير من ‘مجلة الدراسات الفلسطينية’- ما يلي: “وأنا أتابع ما أسفرت عنه الاحتجاجات الشعبية في تونس في مطلع سنة 2011، تساءلت وقد غمرتني الدهشة عن قدرة التظاهر السلمي في الشارع العربي على التأثير في الواقع السياسي، ودوره في تحقيق إرادة الشعوب.” وفعلا، تحتاج البلاد لضمان حيوية هذا المدّ الثوري وذلك من خلال مأسسته حتى تتفادى البلاد أحد مكروهين: إما احتقان دائم أو قطيعة بين الشارع وهيئات القرار. خاصة، وأنه يبدو، أن عزلة أخرى آخذة في فرض نفسها على كل الأطراف الاجتماعية، عنيت بالحديث العزلة الرقمية. ولو تابعنا بقية كلام “أيمن عويضة” لأخبرنا قائلا: “شيئا فشيئا تلاشت النقاشات الصاخبة والارتحالات بين المدن التي جمعتنا في الأشهر الأولى، ووجدنا أنفسنا نبتعد عن الاهتمام بقضايا الشأن العام ونذوب في شؤوننا الخاصة، وبات سياق الثورة بكثافته الأولى شيئا يشبه الذكرى، ولم نعد نعرف على وجه الدقة كيف تشتتت الصداقات التي انبثقت منه، وضاع هاجس التغيير الذي كان موضوعه الأبرز، فيما أنه تحول إلى اشتباك من نوع آخر مع الواقع كان على كل منا أن يختبره بمفرده، ويواصل كتابة الحكاية الخاصة به بمعزل عن أية علاقة جامعة .. فعلى امتداد الأعوام السبعة الماضية غرق المشهد العام في مخاضات عسيرة اختبرها التونسيون بلا هوادة،  وعلا ضجيجها على كل شيء غيرها، بدءا من المسار البطيء والمعقد لمرحلة الانتقال الديمقراطي، مرورا بالاضطرابات الاجتماعية المستمرة، وانتهاء بالتحديات الأمنية والاقتصادية التي انفجرت في وجوه الجميع وألقت بوطأتها الثقيلة على كاهل الجميع.”

لعله يحسن أن نلاحظ أنه أمام تنامي هذا الترحيل نحو الفضاء الرقمي، أصبح الرؤساء في العالم يعتمدون على الاتصال transmission ولا يكتفون بالتواصل communication. وتمشيا مع ضرورات هذا المرور من الساحة العامة نحو مجال الحميمي أصبح السياسي الغربي يتعاطى مع ما يوسم ب l’extime ، أي ضربا من الحميمي العمومي. (بالرغم من مغادرته للرئاسة منذ سنتين، فقد قام أوباما منذ أيام، –كعادته في مثل هذا الوقت من السنة- بنشر لائحة أفضل الأغاني التي سمعها هذه السنة، وقد تضمنت اللائحة 44 عنوانا).

محمد بن حموده