هل يكون للإرهابي توبة عبر القوانين ؟: بقلم الباحث جوهر عويساوي(المعهد الأعلى للمحاماة)

السبت, 17 كانون1/ديسمبر 2016 23:08 حجم الخط تصغير حجم الخط تصغير حجم الخط زيادة حجم الخط زيادة حجم الخط

عشنا في الاونة الاخيرة على وقع تصريحات رئيس الجمهورية التونسي محمد الباجي قايد السبسي

مناطها  الاشكال المطروح بالنسبة للارهابيين التونسيين العائديين من بؤر التوتر  نظرا لانحصار مدّ تنظيماتهم وتهاوي زخمهم وسلطانهم في مناطق سيطرتهم خاصة في سرت الليبية وسوريا والعراق. وأثارت هذه التصاريح ردود افعال متشنجة امتزجت بالعاطفة والشوفينية كان لها اثر مباشر في تراجعه عنها فيما بعد تماهيا مع السياسة الشعوبية المنتهجة والتي الت بالبلاد الى ما الت اليه من تدهور اقتصادي واجتماعي وسياسي لعل اهم تجلياته السياسية ما يعيشه الحزب الحاكم الذي يترأسه السبسي الابن. و حيث جاءت التصريحات الجديدة لرئاسة الجمهورية مؤكدة بانه لا توبة للإرهابيين وانها لا تختلف والتصرحات السابقة وعزز ذلك مستشاره لدى الرئاسة بن نتيشة في تصريح لاحق. لكن بقت مسالة العودة تطرح اشكالا قانونيا بالنسبة للاشخاص الرافضين مطلقا رجوع الاطراف الذين تورطوا في القتال صلب التنظيمات الارهابية و  اكدت الرئاسة ان هذا الرفض لا يتوفق واحكام الدستور الجديد.

وقد أحيا هذا الجدل الدائر نقاشا قديما حول قانون التوبة الذي نسب لرئيس حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي الذي تراجع عنه هو الاخر تحت وطأة النقد الاعلامي.
وقد اعلنت الحكومات المتعاقبة في عديد المناسبات عن عزمها ارساء استراتجية وطنية لمكافحة الارهاب تتناول جميع الجوانب المؤثرة في هذه الظاهرة للحد من انعكاساتها السلبية على البلاد امنيا واقتصاديا.
 و طُرحت عدة اليات اندرجت في الاطار العام لهذه الاستراتجية، منها "قانون التوبة" الذي بسط للنقاش بالمنابر الاعلامية عديد المرات والذي روج أن الدولة تتهيأ من خلاله لإعادة ادماج الارهابيين ووضع مخطط لاستقبال العائدين منهم الذين لو تركوا على حالهم فإنهم يشكلون خطرا كبيرا على الامن العام . ولان اتهمت  تونس بكونها المصدر الاول في العالم للإرهابيين بأعداد مهولة وثلت حسب عدد تقارير للآلاف لكن مالبث ان كشف زيف هاته الاعداد مؤخرا حسب تصريح وزير الدفاع التونسي لقناة بي بي سي الذي اكد انهم لا يتجوزون المئين او الالف ونيف انما وقع تضخيم عددهم لتشويه الثورة التونسية.

فما المقصود بقانون التوبة ؟ وهل تكون تونس سباقة فيه ان توجهت نحو تشريعه؟ وهل فعلا تستطيع الدولة في ضل الدستور الجديد منع اي مواطن تونسي من العودة لبلده ولو كان إرهابيا؟

 

قانون التوبة

ان التوبة مصطلح ديني بالاساس ، تكون والحالة تلك عند ندم المخطئ عن ذنب اقترفه وقرر العدول عنه نهائيا راجيا الصفح والمغفرة وقد قرر ذلك بنص القران في قول تعلى "أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" (سورة التوبة الاية 104)
وتتجل الحكمة الربانية من منح فرصة للعفو في أن الانسان خطاءٌ بطبعه داعية اياه لعدم قنوطه من روح الله وتشجيعا له على بداية جديدة لكن مع احترام شروطها حتى يتم قبولها.

 
وفي هذا الاطار ونظرا لان الجريمة الارهابية لا يمكن انكار عَصبها الديني الذي يُعتمد في تكييفها عند الجهاز القضائي لأغلب الدول التي تشهد هذه الظاهرة والذي قد تنكره النصوص ويفضحه التطبيق، فالمعيار الاساسي لتكييف الجريمة في خانة الجرائم الارهابية هو الخلفية الدينية المرتكبة على اساسها الجريمة وإلا لكان كل مرتكب لفعل مجرم روع المجتمع ارهابيا حسب منطوق النص الحرفي.

و قانون التوبة حسب تصوراته العامة هو عبارة عن جملة احكام خاصة تهدف لاستعادة الاستقرار الامني بعد حالة فوضى عايشتها بلد ما ناتجة عن تبني مجموعة من المواطنين لفكر سياسي متطرف يشرع حمل السلاح لإسقاط الانظمة الحاكمة. ولحمل هؤلاء الاشخاص على الرجوع الى حالة المدنية الطبيعية قد ترتئي بعض الدول انه من الاجدى  اضافة للبعد الامني والقانوني الردعي للمعاجلة الظاهرة اتخاذ تدبير اخرى وقائية تمكن من مكافحته من خلال عدة زاوية (قانونية و اجتماعية ودينية).
ويندرج قانون ماشاع تسميته بالتوبة في هذا الاطار العام لمعالجة هاته الظاهرة عبر وطنية ضمن استراتجية شاملة، تسعى عن طريقها الدولة الى القضاء على هذه الافة والتقليص من المنخرطين فيها وذلك بتشجيع من يريد العدول عنها لتسليم انفسهم و خلق اطور قانونية ومؤسساتية واجتماعية للمناصحة وللتأكد من مدى اهليتهم وإرادتهم الحقيقية في اعادة اندماجهم في الحياة الطبيعية مع الابقاع على العقوبة المشددة لمن ارتكب جرائم بشعة في حق الدول او الافراد.

 

تونس ليست سباقة

ان تجربة توبة الارهابيين برزت خاصة مع قانوني المصالحة والوئام المدني اللذان جاءا  في اطار مشروع حكم الرئيس الجزائري بوتفليقة سنة 1999 و اعتُبارا ميثاقا للسلم الوطني الجزائري انتهى بالمصالحة سنة 2006 تكملة للوئام المدني والعفو العام صادق عليهما البرلمان والشعب عبر استفتاء وطني جاء بعد عشرية سوداء دامية عاشتها الجزائر بعد الغاء الانتخابات التشريعية راح ضحيتهم اكثر من 200 الف شخص.                           
ونصت مادتاه الاولى والثاني على كون القانون يندرج "في إطار الغاية السامية المتمثلة في استعادة الوئام المدني، ويهدف إلى تأسيس تدابير خاصة بغية توفير حلول ملائمة للأشخاص المورطين والمتورطين في أعمال إرهاب أو تخريب ، الّذين يعبّرون عن إرادتهم في التوقف، بكل وعي عن نشاطاتهم الإجرامية، بإعطائهم الفرصة لتجسيد هذا الطموح، على نهج إعادة الإدماج المدني في المجتمع. وللاستفادة من أحكام هذا القانون يجب على الأشخاص المذكورين في الفقرة أعلاه إشعار السلطات المختصّة بتوقفهم عن كلّ نشاط إرهابي والحضور أمامها.

 يستفيد الأشخاص المذكورون في المادّة الأولى أعلاه، وفقا للشّروط التي حدّدها هذا القانون، وحسب الحالة، من أحد التدابير الآتية : الإعفاء من المتابعات، الوضع رهن الإرجاء، تخفيف العقوبات" . وقد استثنى هذا القانون  مرتكبي الجرائم البشعة كالقتل الجماعي والهجمات التفجيرية على المنشآت العامة والخاصةوالاغتصاب.
وبلغ عدد المسلحين الذين تخلوا عن العمل المسلح منذ المصادقة على قانوني الوئام المدني والمصالحة  في الجزائر 15 ألفا سلموا أنفسهم للجيش والأمن الجزائري حتى يستفيدوا من احكام القانون حسب تصريح مروان عزي رئيس خلية المساعدة القضائية لتطبيق قانون المصالحة لجريدة فرنس براس. وقد اعتبر هذا القانون بمثابة اهم انجازات بوتفليقة في حكمه الذي نجح من خلاله في استرداد الاستقرار للجزائر بعد حرب اهلية دامت سنوات.

كذلك شهدت المغرب بمعية السعودية تجربة شبيهة ولكن اقل حدّة عقب هجمات عدة عاشاتاها المملكتان وتتمثل هذه التجربة في تكريس بعد ارشادي والديني واجتماعي حولت من خلاله الدولتان مناصحة المحكوم عليهم واعتمدت في ذلك على علماء دين و اخصائيين نفسيين واجتماعيين حتى يبينوا لمعتنقي الفكر المتطرف ان معتقداتهم باطلة وتشوه صورة الاسلام والمسلمين وانها كانت سبب في الدمار والفوضى في أي بلد حل بها هذا الفكر. حتى شُهد اكبر دعات التيار الجهادي في المغرب (محمد الفزازي)  يصلي بالملك ويدعو للاستقرار وتجنب الانجرار وراء هذه الفكر الغالي لان اصحابه بغاة وخوارج.

لا يمكن منع اي تونسي مهما كانت جرائمهم من ان يعود لبلده

نص الفصل 25 من دستور 27 جانفي 2014  صراحة على انه "يحجر سحب الجنسية التونسية من اي مواطن او تغريبه او تسليمه او منعه من العودة الى الوطن". جاء هذا الفصل عاما في سياق خاص حتى لا تتكرر الانتهاكات التي مارسها نظام بن علي ضد فئة واسعة من معارضيه اودت بهم الى حالة من التهجير القسري عن تراب الوطن دمت لبعضهم عقود.

وعملا بنص الدستوري اعلاه فان التصريحات التي تقول برفض رجوع اي تونسي للبلاد ولو كان ارهابيا هي مخالفة للدستور . ولو طالب العودة اخطر المجرمين فجنسيته التي لا يمكن بفضل الدستور الجديد سحبها من اي مواطن كفيلة له بالعودة. ولكن حقه في العودة ليس حصنا له من التتبعات ، فقانون الارهاب الذي صادق عليه مجلس نواب الشعب في اوت 2015 يجرم التحاق الافراد بمناطق الصراع والانتماء لتنظيمات الارهابية فيها ويشدد الاحكام القضائية المتعلقة بهذه الجرائم على العائدين و التي وصلت الى 20 سنة سجن اضافة للمراقبة الادارية ومنع الاقامة.

 

ختاما، فان قانون التوبة اعتمادا على التجارب الانف ذكرها وخلافا لما يتبادر للأذهان لا يمنح صكوك غفران توزعها السلطة الحاكمة على المقاس انما هو تشريع قانوني تضع الدولة تحدّه جملة من الضّوابط، يكتسي بعدا حمائيا يأخذ بعين الاعتبار مصلحة الدولة العليا حفاظا على الاستقرار والامن العام.وليست كذلك شيكا على بياض يعطى لمن ارتكب جرائم ارهابية شنيعة حتى يخول له التفصّي من العقاب، انما له سياقاته وشروطه تدرسها الجهات القضائية والامنية والاجتماعية حالة بحالة لترى مدى توفرها في طالب "التوبة" حفاظا للسلم الاجتماعي ويستثى منها كل من تلطخت يداه بدماء الابرياء .
اما ونحن اليوم في اطار المصالحة والعدالة الانتقالية مع رجالات نظام بن علي وقبله الرئيس بورقيبة والذين قد مارسوا ابشع اساليب التعذيب الذي اودى بحياة بعض المعارضين و خلف ورائه انتهاكات غير انسانية عيشتها اجيال من التونسيين وفيهم من تقدم راجيا العدالة وطالبا كشف الحقيقة. هؤلاء الاشخاص احتموا بغطاء الدولة فكانوا مصدرا الارهاب روع فئات واسعة من التونسيين جعلت الشعب يثور عليهم طالبا الانفكاك من قيودهم، ناشدا الحرية والكرامة .
كذلك عند تفحص قانون الارهاب لسنة 2015 نرى انه يسمح بالتخفيف في بعض الحالات و العفو في حالات اخرى عند تقدم كل ارهابي من تلقاء نفسه للإبلاغ عن العمليات الارهابية مزمع تنفيذها في المستقبل او للاعلام عن وجود وفاق او تنظيم ارهابي كان قد انتمى له سيهدد امن البلاد ( الفصلين  8 و9) . أوليست هذه صورة من صور التوبة نص عليها القانون تشجع الارهابيين على تسليم انفسهم وتمنح الدولة اليات قانونية تعزز جهودها في التصدي لظاهرة الارهاب؟

قراءة 765 مرات

إبداء الرأي

هل انت مع قانون الغاء الزطلة أم لا؟

     

تـــواصــل معنــــا