خدعة الدّيمقراطية : الأمل المنشود و الأفق المسدود...بقلم الباحث أحمد البهلول-المعهد الأعلى للمحاماة-

الإثنين, 19 كانون1/ديسمبر 2016 10:35 حجم الخط تصغير حجم الخط تصغير حجم الخط زيادة حجم الخط زيادة حجم الخط

في الدّولة كما في العائلة، لا يحتاج الشّخص، تطبيقا لمقتضيات العقد الاجتماعي،

إلى أن يسأل نفسه إن كانت ثقته في القائمين على الشّأن الوطني و في مؤسّسات الدّولة عموما قرينة قاطعة لا يُقدح فيها بالدليل العكسي، باعتباره قد أناط بعهدة طائفة من الأشخاص المسك بزمام الأمور عبر آلية الانتخاب في تسيير دواليب الدّولة و تحقيق الطّموحات الشّعبية. و يأتي يومٌ يكتشف فيه أنّه قد انطلت عليه "حيلة الانتخاب" و أنّه وقع في "فخّ" الدّيمقراطية الحديثة، خاصّة إن لم يقع الاستجابة من طرف الممثّلين المنتخبين لمطالب المواطنين ممّا يضرب عرض الحائط مسألة ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.

 

فالمواطن ما إن ألقى بورقة الانتخاب في " الصندوق المصيري" إلاّ و تقطّعت به الأسباب في الولوج بعينه المجرّدة إلى ما يجول في " البلاط" من "كواليس" و من أحاديث جانبية طنّانة تدور بين السّاسة بلغة قد لا يفقهها الإنسان البسيط، فتبقى الحقيقة دفينة في "الصّندوق الأسود" ولا يقتنص منها الإعلام إلاّ بعض " الفتات" من المعلومات التي يزفّها عبر حشرجة المساء فلا تطفأ ظمأ المواطن و لا ترويه.

 

لذلك، لا يخفى ما لانعدام الشفافية من تداعيات واضحة على خصوصية العلاقة بين الدّولة والمجتمع لكونها تخلق جوّا من التوجّس لدى فئات المجتمع، على اختلاف مشاربها، وهو ما يؤول إلى إنخرام ثقة الفرد في الدّولة فتنفذ التجاذبات من كلّ صوب و ينقلب الحبّ و المشاعر الجيّاشة التي كان يكنّها لقائمة حزبية أو لشخص بعينه إلى النقمة والغيض و التمرّد و العدوان...

 

ثقة المواطن في مؤسّسات الدّولة، الأمل المنشود و الأفق المسدود... لطالما تعكس هذه الازدواجية مفارقة لكون الأمل خلق حرّا طليقا كطيف النّسيم ليحلّق في الأفق... و لكنّ هذا الأفق مسدود فيحول دون أن يكون للثقة وجود حقيقي فلا تعدو أن تكون كائنا خرافيا هلاميا ينساب بين أصابعك بسهولة فلا تقبض عليه كالزّمن...

 

قد ينعى علينا البّعض هذه الصّورة الموغلة في الخرافية و لكنّ تبقى ثقة المواطن في مؤسّسات الدولة، على كلّ حال، أقرب ما تكون بخرافة ترويها الجدّة للأطفال قبل النّوم فتستحيل أملا منشودا دفينا في قلب الطّفل الصّغير يتمنّى لو يراها على أرض الواقع ولكنّها تبقى خرافة شأنها شأن كلّ الأساطير...

 

ثقة المواطن في مؤسسّات الدّولة خرافة !!! إذن شأن كلّ الخرافات لها بداية و نهاية... تبدأ خرافة الثّقة من يوم خروج المواطنين فرادى و جماعات إلى صناديق الاقتراع بعد استنشاق عبق جديد من نسمة الحرّية و كلّ شرائح المجتمع بلا استثناء تمنّي نفسها بالأحلام السّرمدية و بالتنمية والاستثمار. فالموظّف لدى الدّولة يدخل الخلوة و نفسه الجيّاشة تحدّثه بالزيادة في الرّاتب الشهري بعد أن أنهكت القروض البنكية  قواه حتّى دبّ فيه الهزال فلم يكن ليتمكّن من استخلاص القرض الأوّل لولا حصوله على الثاني وهكذا... و البرجوازي يمتطي سيّارته الفخمة و يدخل يتهادى كالعروس لمركز الاقتراع و نفسه الجشعة تحدّثه بالتقليص من الضّرائب التي ما انفكّت تقتنص من حساباته البنكية أموالا تغادر يديه وفي قلبه حسرة ولوعة و تدخل إلى خزينة الدّولة باسم الإنصاف الجبائي...

 

من بقي من أبطال هذه "الخرافة" ؟ إنّه بلا شكّ المواطن البسيط و هو على الأرجح "البطل التراجيدي"... يدخل خلوة الاقتراع و نفسه تحدّثه بكنز "علي بابا و الأربعين لصّا" أو بالأحرى بــ " مصباح علاء الدّين" الذي سيغيّر مجرى حياته رأسا على عقب و ذلك بعد أن أجهرت شاشة التلفاز عينيه بالألماس و المصوغ و الأموال الطّائلة الخيالية التي التقطتها عدسة الأخبار فيلقي بورقة الاقتراع في "الصّندوق الأسود" والأحلام الوردية بالتغيير تتغلغل في كيانه و ذلك هو الأمل المنشود...

 

ماذا بقي  ؟ الأفق المسدود بلا شكّ... إنّها نهاية الخرافة فسرعان ما ينكشف السّتار عن الفخّ الذي وقع فيه المواطن فتحلّ الكراهية و العدوان المتبادل محلّ الثقة التي كان يكنّها لممثّليه يوم الاقتراع. فسرعان ما تتبخّر الأحلام بعد أن يبقى الفرد ردحا من الزّمن يشاهد هؤلاء الذين منحهم ثقته يرتعون في أرجاء البلاط برابطات العنق يتحسّسون بين الفينة و الفينة عدسة الأخبار ليأجّلوا الوعود التي قدّموها فسرعان ما تطفو على السّطح مشاعر اليأس و يستدرك المواطن عن منح ثقته. فالتنمية موضوع صعب و الإستثمار مسألة عويصة تقتضي المزيد من التفكير و التبجّح أمام البرامج التلفزية و الزّيادة في الأجور تقتضي الزّيادة في الضّرائب و تحسين مستوى العيش يقتضي الترفيع في معاليم الكهرباء و الغاز و المياه...

 

تبدأ الثقة بحلم يوم الاقتراع و تنتهي في الهزيع الأخير من المسرحية السياسية فلا تعدو أن تكون أملا منشود يحوم في أفق مسدود...

 

ذلك هو حال ثقة المواطن في الدّولة... فلا نلوم على تفشّي ثقافة خرق القانون و التمرّد التي أفرزتها سياسة التستّر لتحول بين الفرد والأمور "الماورائية" التي تحفظ المكاتب البلّورية الفاخرة ماء وجهها...

 

 

غاية ما في الأمر أنّه كما يذهب أحدهم إلى القول أنّ الحكومة يمكن أن تكون مننخبة بصورة ديمقراطية و لكنّها لا تحكم مواطنيها بالدّيمقراطية، فتكتفي بإطراب المجتمع بالألفاظ الطنّانة و الوعود اللطيفة الرقيقة التي تستمال بها القلوب و لا تدرك بها الغايات... لذلك، ليس لأحد أن يلوم المجتمع على هذا التمرّد و العدوان فكما يقول أحد الفلاسفة إن أردت أن تطاع فعليك أن تعرف كيف تحكم...

قراءة 1000 مرات

إبداء الرأي

ماذا تنتظر من الحكومة التونسية في 2016؟

التشغيل - 54%
الديمقراطية - 14.9%
المساواة الاجتماعية - 29.9%

مجموع الأصوات: 87
تمت عملية التصويت في هذا الاستطلاع في: كانون2/يناير 26, 2016
     

تـــواصــل معنــــا