شركات التسويق الهرمي باب للتحيل ام طريق للربح ؟ بقلم الباحث: جوهر عويساوي(المعهد الأعلى للمحاماة)

الأربعاء, 04 كانون2/يناير 2017 21:03 حجم الخط تصغير حجم الخط تصغير حجم الخط زيادة حجم الخط زيادة حجم الخط

ديناميكية الاقتصاد تجعل منه مجالا حيويا لخلق وإبداع طرق وأساليب جديدة لتداول الاموال والمضاربة بها لتحقيق الربح  وخلق الثروة ممّا يُساهم في تنمية الاقتصاد وإنعاش خزينة الدولة من وراءه عند ضرب الجباية على انشطته.


 
وقد فتحت الحريّة الاقتصاديّة المعتمدة من قبل الانظمة الرأسمالية  الباب امام المبادرين للاستثمار بأي طريقة تعود لهم بالربح تحت يافطة "دعهُ يعمل دعه يمر" في سوق حرّة ارست لها الانظمة قاعدة المنافسة الحرة من خلال لعبة العرض والطلب.
ويسعى المشرع دوما من وراء حركية الاقتصاد المتجددة لحث خطى التقنين خلف كل الاشكال المستحدثة للأنشطة التجارية حتى يضمن ان يكون الربح المنجر عنها جائزا يتطابق والنواميس المعمول بها عرفا وقانونا وان لا تكون سبيلا للتحيل على الغير ناجم عن بيع الوهم له.
و تُعدُّ شركات التسويق الهرمي من الانشطة الجديدة التي غزت بلدنا في السنوات الاخيرة وهي شركات تدعي تسويق بضائعها اعتمادا على المنخرطين في شبكتها التسويقية الذين هم من فئات وشرائح مختلفة من المستهلكين  يقع تنظيمهم في سلم شبكتها بطريقة ترتبية اشبه بالهرم .و تَعدُهم الشركة في مقابل ذلك بربح طائل وسريع لا يستوجب جهدا عسيرا فقط الجلوس امام حواسيبهم و تأخذ منهم الشركة في مقابل تلك الوعود اشتراكات عضوية تختلف قيمتها النقدية من شركة لاخرى.
وتجتمع جلّ هذه الشركات حول وعود واهية لتسويق بضائع استهلاكية غير ضرورية لمشتريها ، غالبا ما تكون اسعارها مرتفعة ومتقاربة لا تعكس قيمتها الحقيقة . ويكون دخل المشترك على اساس نسبة من الارباح الشهرية تختلف من عضو لآخر  حسب رتبة في هرمية الشركة تمنح للعضو تعكس نشاطه تجنيدا وتسويقا.
وفي الحقيقة ان هذه الشركات هي
دائرة مفرغة خلقها بعض المتحليين  لا يوجد فيها منتوج حقيقي و لا عميل مهتم  بالبضاعة ، كل ما في امرها ان المشترك هو مجرد ضحية يحاول جلب المزيد من الضحايا و الرابحون هم من في أعلى الهرم.
وقد يفتح النقاش امام هكذا نشاط قريبا مما يسترعي من المختصين في مجال المؤسسات والأعمال من اهل القانون و الاقتصاد محاولة وضعه على طاولة التشريح لتفكيك ابعاده   والغوص في مكمنه وتناول بعض من جوانبه للتعريف بخطوره من خلال تمييزها عن غيرها من الانشطة التسويقية المشابهة والبحث في تاريخه وعن موقف القوانين الداخلية والمقارنة والديني منه للخروج بتوصيات وحلول حوله.


ضرورة التمييز بين التسويق الهرمي والتسويق الشبكي و البيع بعمولة

لاحظ عديد المهتمين بمجال التسويق ان هناك خلط واضح بين مختلف الاستراتجيات التسويقية المعتمدة من قبل الشركات والتي تتشابه مع التسويق الهرمي فدعوا الى ضرورة التمييز بينه وبين التسويق الشبكي والبيع بالعمولة .

فالتسويق الهرمي كما وقع تعريفه من قبل المختصين هو"
نموذج للتجارة غير المستدامة التي تنطوي على تبادل المال في المقام الأول عن تسجيل أشخاص آخرين في هذه الخطة من دون منتج  أو الخدمة التي يجري تسليمها. في نهاية المطاف إلى عدد من المجندين الجدد فشل للحفاظ على نظام الدفع ونظام انهيار معظم الناس مع فقدان الاموال التي دفعت فيه".

امّا التسويق الشبكي فقد اختلفت الاراء حوله فمن المختصين من يراه شكلا متطورا من التحيل عبر التسويق الهرمي تحت مسمى جديد. وآخرون يرونه نموذجا جديدا للتوزيع الجائز يلتقي في بعض محاوره مع التسويق الهرمي لكن يختلف في جوهره فليس غطاء لسلب اموال ومجهود المنتسبين للشركة انّما الية حقيقية لتسويق بضائعها .
و يرى اصحاب التسويق الشبكي انه نموذج يسمح للشركة ببيع منتجاتهم مباشرة للمستهلك  بدلا عن الدعاية لها بالطريق التقليدية كإشهار عبر وسائل الإعلام او المعلقات ولوحات في الشوارع . فيكون من الاجدى تشجيع المستهلك على الترويج للبضاعة ومنحه حوافز على ذلك دون فرض معلوم اشتراك وفي المقابل عوض صرف المال  على وسائل الإعلام يمنح  من الارباح التي تحققها الشركة مقابل بيعهم لمنتجاتها وإيجاد عملاء جدد توزع الارباح حسب النسبة الارباح المحققة من المبيعات التي اجرها هو وكل من ادخله في شبكة التوزيع.
والشركة تكسب المال عن طريق بيع منتوجاتها لا من خلال سرقة اشتراكات اعضاءها الجدد. وهذا النظام التسويقي قد انتهجته شركة ” جولد ماين انترناشونال ” .

بينما البيع بالعمولة فهو طريقة تسويقية تعتمدها بعض الشركات الدولية والمحلية تكون فيها الإشتراكات في برنامج البيع بالعمولة الخاصة مجانية و يختار المشترك المنتج أو الخدمة التي يراد التسويق لها ويحصل على عمولة محددة مقابل كل مبيع أو اشتراك يتحقق عن طريقه. ومن بين الشركات التي تعتمد على هذا النموذج التسويقي نجد كل من أمازون و كليك بانك مع آيباي و عدد من المتاجر الإلكتروني و حتى متجر أبل و مايكروسوفت مع جوجل أيضا.

 تاريخ التسويق الهرمي

يُرجِعُ البعض ظهور هذا النوع من التسويق المشبوه الى فترة الكساد الاقتصادي من ثلاثينات القرن الماضي في الولايات المتحدة الامريكية وكانت من خلاله الشركات في بادئ امره تعتمد على بيع المنتجات الصغيرة مقابل العمولة وهذا مقبول قانونا ولكن سرعان ما تحولت الى ما هي عليها الان تدرجيا . حيث و في منتصف الأربعينيات كانت هنالك شركة تدعى California Vitamins التي انتبهت إلى ان أغلب زبائنها هم من أقارب وأصدقاء موظفيها واكتشفت بعدها أنه من الأفضل أن يكون لديها كشركة عدد أكبر من المروجين يسوقون لأعداد صغيرة من الناس عوض عن القلة التي تحاول الترويج لأكبر عدد ممكن من الناس. ثم  جاء "تشارلز بوزي" ليرسي فلسفة هذا النظام التسويقى الذي لا يعتمد على الجهد والسلعة والتداول الفعلي للمنتوجات بقدر ما يتأسس على فقاعة ربح وهمية يستقطب بها اعضاء جدد في شكل هرمي من خلال اغرائهم  بارباحها التي ليست من السلعة المسوق لها بل مما يدفعه الوافدون عليها من اشتراكات و دون مدهم ببضاعة ذات قيمة حقيقية . وفي عام 1974 صدر اول قانون يمنع هذا صنف من الشركات الهرمية  و قبض على تشارلز بوزي واعتبر من اذكى المتحيلين و ادهاهم.


القانون التونسي لم ينظم هذا الصنف من الشركات مع تحذير مؤسسات الدولة منها

يفتقر القانون التونسي الى نص واضح وصريح يبرز موقف المشرع من انشطة التسويق الهرمي اما تنظيما لها حتى تدخل في الدورة الاقتصادية الشرعية او منعا يعرف من خلاله مشرعنا هذا النشاط واركانه ولينص على عقوبات مشددة تردع المخالفين.
لكن رغم عدم المنع القانوني فان التحيل جريمة يعاقب عليها القانون الجزائي التونسي  حيث وقع على اساسه القاء القبض على عديد من المحتلين الذين يعتمدون في جريمتهم شكل شركات التسويق الهرمي، مما دفع كل من البنك المركزي ووزارة الداخلية  الى اصدار بيانات تحذر منهم وذلك لاعتمادهم على شركات وهمية اجنبية للتسويق الهرمي بغية الاحتيال من خلال إيهام المواطنين بقدرتهم على تحقيق أرباح مالية ضخمة عن طريق المساهمة في الانضمام للشبكة، وترتفع هذه المساهمة من خلال قدرة كل عضو على جلب أعضاء جدد، وتتم الاتصالات بالهاتف أو عبر شبكة الإنترنت أو الوسائل الأخرى ودون وجود فعلي للشركة بتونس.


حضر الشركات الهرمية  في عديد الدول الاجنبية


تمنع دول عديدة التسويق الهرمي سعيا منها لضبط مجالها الاقتصادي وحماية لمواطنها من المتحيليين  وقد كانت الدول الغربية اول المانعين بدئا ب
الولايات المتحدة سنة 1974 وقد منعتها بعد ذلك كل من المملكة المتحدة و فرنسا و ألمانيا و هولاندا والدنمارك وأستراليا وكندا و إيطاليا  وإسبانيا ، فالدول الاسياوية كالصين واليابان ، ثم انتقل حديثا هذا المنع الى الدول العربية والإسلامية كالسعودية والامارات وتركيا و إيران وماليزيا.

 فقهاء الشريعة يرون بحرمة التسويق الهرمي

يتوافق الرأي الشرعي مع ما ذهبت اليه القوانين الوضعية من عدم جواز هذا النشاط وله حججه في ذلك من خلال منطلقاته الدينية . حيث اكدت لجنة البحوث الشرعية والفتاوى في المملكة السعودية على سبيل المثال ان "هذا النوع من المعاملات محرم و ذلك لأن مقصود المعاملة هو العمولات وليس المنتج، فالعمولات تصل إلى عشرات الآلاف في حين لا يتجاوز ثمن المنتج بضع مئات، فالمنتج الذي تسوقه هذه الشركات مجرد ستار للحصول على الأرباح، فالعملية تتضمن:

اولا- الربا بنوعيه: فالمشترك يدفع مبلغا قليلا من المال ليحصل على مبلغ كبير منه، فهي نقود بنقود، والمنتج الذي تبيعه الشركة على العميل ما هو إلا ستار للمبادلة.

 

ثانيا- الغرر: لأن المشترك لا يدري هل ينجح في تحصيل العدد المطلوب من المشتركين أم لا، ولا يدري المشترك حين انضمامه إلى الهرم هل سيكون في الطبقات العليا منه فيكون رابحا، أم في الطبقات الدنيا فيكون خاسرا؟
ثالثا- اشتملت المعاملة على أكل أموال الناس بالباطل، حيث لا يستفيد من العقد إلا الشركة  ومن ترغب إعطائه من المشتركين بقصد خداع الآخرين. من جهة إظهار المنتج و كأنه هو المقصود من المعاملة والحال خلاف ذلك، ومن جهة إغرائهم بالعمولات الكبيرة التي لا تتحقق غالبا، وهذا من الغش المحرم شرعا."

توصيات حول اليّات التسويق المعتمدة من قبل الشركات

يجب التنبيه على من يريد ان ينضوي تحت شركة تعتمد هذه الاصناف من التسويق وحتى لا يصبح شريكا في التحيل ولا ضحية له ، فعليه التأكد اولا من وجود الشركة وقانونيتها وتوفرها على نظام داخلي يعتمد على تسويق مشروع وسليم لا تحفه شبهة الغش ، ثم ثانيا عليه ان يتحقق من اصحاب الشركة ومنتوجاتهم ومدى جدية الترويج لها وثالثا يجب ان يكون الربح الذي يحققه الفرد المشترك يقابل جهدا حقيقيا يبذله لفائدة النشاط التسويقي لبضائع الشركة فهو عبارة عن شريك مساهم بالعمل فيها يأخذ حصته من ارباحها مقابل التسويق لسلعتها.
كذلك على الدولة التونسية ان تسارع كنظيراتها من الدول الاخرى في حضر الشركات الهرمية المشبوهة ومنع اليتهم التسويقية الوهمية وتضع نظاما قانونيا واضحا وخاصا للتسويق مشروع لا يؤخذ اصحاب الشركات عند اعتماده لتوزيع بضائعهم وحتى لا يُتخذ ثانية من قبل المتحيلين غطاءً لهم في غشهم للحالمين بالربح السريع والسهل.

قراءة 484 مرات

إبداء الرأي

هل انت مع قانون الغاء الزطلة أم لا؟

     

تـــواصــل معنــــا